ما دل عليه القران

ما دل عليه القران - الألوسي، جمال الدین - الصفحة ٧٦

بِالْأَرْضِ من جِهَة الِاسْتِدْلَال بهَا على وجود خَالِقهَا وعظمة باريها وَلم يذكر فِيهَا شَيْء مِمَّا يُخَالف مَا عَلَيْهِ أهل الْهَيْئَة الْيَوْم
وَلَا يُنَافِي كريتها مَا يدل ظَاهرهَا على الْمَدّ والبسط والفرش فَإِن هَذَا كُله لَا يُنَافِي الكرية لِأَن المُرَاد من بسطها وتوسعتها ومدها مَا يحصل بِهِ الِانْتِفَاع لمن حلهَا وَلَا يلْزم من ذَلِك نفي كريتها لما أَن الكرة الْعَظِيمَة لعظمها ترى كالسطح المستوي وَكَأن كل قِطْعَة مِنْهَا سطح مفروش يَصح الْقعُود وَالنَّوْم عَلَيْهِ والكرة كلما عظمت قربت أقواس سطحها إِلَى الْخط الْمُسْتَقيم
وَفِي الشَّرِيعَة دَلَائِل كَثِيرَة تدل على كرية الأَرْض وَالسَّمَاء مِنْهَا اعْتِرَاف الْأَئِمَّة باخْتلَاف الْمطَالع فَإِن الصُّبْح فِي بعض الْبِلَاد يُوَافق الْمسَاء فِي بِلَاد أُخْرَى وطلوع الْهلَال فِي بعض الْآفَاق يُوَافق غيبوبته فِي بِلَاد أُخْرَى وَهَكَذَا الشَّمْس وَسَائِر الْكَوَاكِب فَفِي بعض الْآفَاق يرى القطب الشمالي فَوق رُؤُوس أَهله والقطب الجنوبي لَا يرى أصلا وسكنة خطّ الاسْتوَاء يرَوْنَ القطبين على الْأُفق وَفِي بعض الْبِلَاد تكون الْحَرَكَة فِيهِ دولابية وَفِي الْبَعْض حمائلية وَفِي الْبَعْض رحوية كل ذَلِك مَبْنِيّ على كرية الأَرْض ولولاها لما كَانَ شَيْء من ذَلِك
وَقَوله تَعَالَى {وَهُوَ الَّذِي مد الأَرْض} لَا يُنَافِي الكرية وَمَا على الأَرْض من الْجبَال والأودية والبحار لَا يخرج الأَرْض عَن الكرية فَإِن أعظم جبل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا كنسبة سبع عرض شعيرَة إِلَى كرة قطرها ذِرَاع
وَقَوله تَعَالَى {وَجعل فِيهَا رواسي} مَعْنَاهُ جعل فِيهَا جبالا ثوابت فِي أحيازها من الرسو وَهُوَ ثبات الْأَجْسَام الثَّقِيلَة وَفِي الْخَبَر لما خلق الله تَعَالَى الأَرْض جعلت تميد فخلق الله الْجبَال عَلَيْهَا فاستقرت فَقَالَت الْمَلَائِكَة رَبنَا خلقت خلقا