ما دل عليه القران

ما دل عليه القران - الألوسي، جمال الدین - الصفحة ٦١

وَمَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة هُوَ أكمل الْأُمُور وأحسنها وأبينها وأصحها وأبعدها من الِاضْطِرَاب
وَذَلِكَ أَن الْهلَال أَمر مشهود مرئي بالأبصار وَمن أصح المعلومات مَا شوهد بالأبصار وَلِهَذَا سموهُ هلالا لِأَن هَذِه الْمَادَّة تدل على الظُّهُور وَالْبَيَان إِمَّا سمعا وَإِمَّا بصرا كَمَا يُقَال أهل بِالْعُمْرَةِ وَأهل بالذبيحة لغيره إِذا رفع صَوته وَيُقَال تهلل وَجهه إِذا استنار وأضاء وَقيل إِن أَصله رفع الصَّوْت ثمَّ لما كَانُوا يرفعون أَصْوَاتهم عِنْد رُؤْيَته سموهُ هلالا وَمِنْه قَوْله
(يهل بالفرقد ركبانها ... كَمَا يهل الرَّاكِب الْمُعْتَمِر)
وتهلل الْوَجْه مَأْخُوذ من اسْتِنَارَة الْهلَال
فالمقصود أَن الْمَوَاقِيت حددت بِأَمْر ظَاهر بَين يشْتَرك فِيهِ النَّاس وَلَا يُشْرك الْهلَال فِي ذَلِك شَيْء فَإِن اجْتِمَاع الشَّمْس وَالْقَمَر الَّذِي هُوَ تحاذيهما الْكَائِن قبل الإهلال أَمر خَفِي لَا يعرف إِلَّا بِحِسَاب ينْفَرد بِهِ بعض النَّاس مَعَ تَعب وتضييغ زمَان كثير واشتغال عَمَّا يَعْنِي النَّاس ومالا بُد مِنْهُ وَرُبمَا وَقع فِيهِ الْغَلَط وَالِاخْتِلَاف
وَكَذَلِكَ كَون الشَّمْس حاذت البرج الْفُلَانِيّ أَو الْفُلَانِيّ هَذَا أَمر لَا يدْرك بالأبصار وَإِنَّمَا يدْرك بِالْحِسَابِ الْخَفي الْخَاص الْمُشكل الَّذِي قد يغلط وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك بالإحساس تَقْرِيبًا فَإِنَّهُ إِذا انصرم الشتَاء وَدخل الْفَصْل الَّذِي تسميه الْعَرَب الصَّيف ويسميه النَّاس الرّبيع كَانَ وَقت حُصُول الشَّمْس فِي نقطة الِاعْتِدَال الَّذِي هُوَ أول الْحمل وَكَذَلِكَ مثله فِي الخريف فَالَّذِي يدْرك بالإحساس الشتَاء والصيف وَمَا بَينهمَا من الاعتدالين تَقْرِيبًا فَأَما حُصُولهَا فِي برج بعد برج فَلَا يحْسب إِلَّا بِحِسَاب فِيهِ كلفة وشغل غَيره مَعَ قلَّة جدواه