الفصل والوصل في القران الكريم - منير سلطان - الصفحة ٤٣
ويضرب المبرد لذلك مثلا: آية {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [١] فكأنه قيل: فإذا قال لكما ما شانكما؟ فقولا ذلك[٢].
والفصل للإيجاز يكون بين المفردات أيضا:
ويكمل الفراء حديثه في الكلام المكتفي يأتي له جواب متمثلا في المفردات أيضا، في آية التوبة {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ... } [٣] وذلك بعد قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ... } [٤] ثم يعلق: "فاعرف بما جرى تفسير ما بقي، فإنه لا يأتي إلا على الذي أنبأتك به من الفصول، أو الكلام المكتفى يأتي له جواب[٥].
ويذكر ابن جني مثلا آخر لحذف الواو بين الذي هو أعرف والذي هو أعرف منه، (البدل والمبدل منه) ... ما أنشده ابن الأعرابي:
وكيف لا أبكي على علاتي ... صبائحي غبائقي قيلاتي٦
أي: صبائحي وغبائقي وقيلاتي. ويجوز أن يكون بدلا، أي: كيف لا أبكي على علاتي التي هي صبائحي وهي غبائقي وهي قيلاتي، فيكون هذا من بدل الكل[٧].
للإيضاح
من ذلك ما قاله الشريف المرتضى في "أماليه"، في تأويل قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} يقول: ويمكن أيضا على هذا الوجه مع عطف "الراسخين" على ما تقدم وإثبات العلم بالمتشابه لهم، أن يكون قوله: "يقول آمنا به" استئناف جملة استغني فيها عن حرف العطف، كما استغني في قوله: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ} [٨] ونحو ذلك مما للجملة الثانية فيه التباس في الجملة الأولى، فيستغنى به عن حرف العطف، ولو عطف بحرف العطف، كان يُنَزِّل الملتبس منزلة غير الملتبس[٩].
[١] الشعراء: ١٦.
[٢] ابن الزملكاني، التبيان في علم البيان ٦٣ تحقيق د. أحمد مطلوب ط بغداد ١٩٦٤م.
[٣] التوبة: ١١٢.
[٤] التوبة: ١١١.
[٥] الفراء، معاني القرآن ١/ ٤٣-٤٤.
٦ العلة: الشرب بعد الشرب، أو ما يتلهى به "القاموس المحيط: مادة: العل" ٤/ ٢٠ والصبوح: ما يشرب أو يؤكل في الصباح وهو خلاف الغبوق، والقيلات ما يشرب في وسط النهار.
[٧] ابن جني، الخصائص ١/ ٣٣٥ وما بعدها.
[٨] الكهف: ٢٢ {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ... } .
[٩] الشريف المرتضى، أمال المرتضى ٢/ ٩٤، ٩٦ ط السعادة.