تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ٧
(لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ. خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ) يجادل بالباطل (مُبِينٌ) نظيره قوله : (وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً) [١] نزلت هذه الآية في أبي بن خلف الجمحي حين جاء بالعظم الرميم إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : يا محمّد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟ نظيرها قوله : (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ) [٢] إلى آخر السورة نزلت في هذه القصة أيضا.
(وَالْأَنْعامَ خَلَقَها) يعني الإبل والبقر والغنم (لَكُمْ فِيها دِفْءٌ) يعني من أوبارها وأصوافها وأشعارها ملابس و [لحفا] وقطن يستدفئون (وَمَنافِعُ) بالنسل والدرّ والركوب والحمل وغيرها (وَمِنْها تَأْكُلُونَ) يعني لحومها (وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ) أي حين يردّونها بالعشي من مراعيها إلى مباركها التي تأوى إليها. يقال : أراح فلان ماشيته يريحها إراحة ، والمكان الذي يراح إليه : مراح.
(وَحِينَ تَسْرَحُونَ) اي يخرجونها بالغداة من مراعيها إلى مسارحها. يقال : سرّح ماشيته يسرّحها سرحا وسروحا إذا أخرجها للرعي ، وسرحت الماشية سروحا إذا رعت.
قال قتادة : وذلك أعجب ما يكون إذا راحت عظاما ضروعها طوالا أسنمتها.
(وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ) آخر غير بلدكم.
عكرمة : البلد مكة.
(لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ) أي تكلفتموه (إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ).
قرأه العامّة : بكسر الشين ، ولها معنيان : أحدهما : الجهد والمشقة.
والثاني : النصف ، يعني (لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ) من القوة وذهاب شق منها حتّى لم تبلغوه إلّا بنصف قوى أنفسكم وذهاب نصفها الآخر.
وقرأ أبو جعفر : بِشَقِّ بفتح الشين. وهما لغتان مثل برَق وبرِق ، وحَصن وحصِن ، ورطل ورطل.
وينشد قول النمر بن تولب : بكسر الشين.
|
وذي إبل يسعى ويحسبها له |
|
أخي نصب من شقها ودؤوب [٣] |
ويجوز أن يكون بمعنى المصدر من شققت عليه يشق شقا.
[١] سورة النساء : ١٠٥.
[٢] سورة يس : ٧٧.
[٣] لسان العرب : ١٠ / ١٨٤.