تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ٢٨٠
بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم (قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قالُوا) يعني الذين سمعوا إبراهيم يقول : (تَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ ... سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ) يعيبهم ويسبّهم ويستهزئ بهم (يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) هو الذي صنع هذا ، فبلغ ذلك نمرود الجبّار وأشراف قومه فقالوا (فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ) يراد بأعين الناس [١] (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) عليه أنّه هو الذي فعل ذلك ، وكرهوا أن يأخذوه بغير بيّنة ، قاله قتادة والسدّي.
وقال الضحّاك والسدّي : (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) ما يصنع به ويعاقبه ، أي ، يحضرون ، فلمّا أتوا به (قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ. قالَ) إبراهيم (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) غضب من أن تعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهنّ ، قاله ابن إسحاق ، وإنّما أراد إبراهيم بذلك إقامة الحجّة عليهم ، فذلك قوله سبحانه (فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) حتى يخبروكم بمن فعل هذا بهم.
وروي عن الكسائي أنّه كان يقف عند قوله : (بَلْ فَعَلَهُ) ويقول : معناه فعله من فعله ، ثم يبتدي (كَبِيرُهُمْ هذا).
وقال القتيبي : جعل إبراهيم النطق شرطا للفعل فقال (فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) والمعنى إن قدروا على الفعل ، فأراهم عجزهم عن النطق والفعل ، وفي ضمنه أنا فعلت ذلك ، والذي تظاهرت به الأخبار في هذه الآية ، قول ابن إسحاق يدلّ عليه قول النبي صلىاللهعليهوسلم : لم يكذب إلّا ثلاث كذبات كلّها في الله عزوجل قوله (إِنِّي سَقِيمٌ) [٢] وقوله (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) وقوله لسارة : هي أختي ، وغير مستحيل أن يكون الله سبحانه أذن لرسوله وخليله في ذلك ليقرع قومه ويوبّخهم ويحتجّ عليهم ويعرّفهم موضع خطئهم كما أذن ليوسف حين أمر مناديه فقال لأخوته : (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) [٣] ولم يكونوا سرقوا شيئا.
(فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ) يقول : فتفكّروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم (فَقالُوا) ما نراه إلّا كما قال (إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) هذا الرجل في سؤالكم إيّاه ، وهذه آلهتكم التي فعل بها ما فعل حاضرة فسلوها ، وقيل : (إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) بعبادتكم الأوثان الصغار مع هذا الكبير.
(ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ) متحيّرين مثبورين وعلموا أنّها لا تنطق ولا تبطش ، فقالوا (لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) فلمّا اتّجهت الحجّة لإبراهيم عليهم (قالَ) لهم (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
[١] في نسخة أصفهان : قيل : معناه على رؤس الناس ، وقيل معناه بمرأى منهم ، وإنما أرادوا بذلك أظهر والذي فعل للناس ، كما تقول العرب إذا ظهر الأمر وسهر : كان ذلك على أعين الناس.
[٢] الصافّات : ٨٩.
[٣] يوسف : ٧٠.