تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ١٦٦
إمضائه يردّون غيظهم وحزنهم إلى أجوافهم ويصبرون فلا يظهرون ، وأصل الكظم : حبس الشيء عن امتلائه ، يقال : كظمت القربة إذا ملأتها ، وما يقال لمجاري الماء : كظائم ، لامتلائها بالماء وأخذ بها كظامة ، ومنه قيل : أخذت بكظمه ، يعني بمجاري نفسه ، ومنه كظم الإبل وهو حبسها جررها في أجوافها ولا تجتر ، وإنما يفعل ذلك من الفزع والجهل.
قال أعشى باهلة يصف رجلا نحّارا للإبل وهي تفزع منه :
|
قد تكظم البزل [١] منه حين تبصره |
|
حتى تقطع في أجوافها الجرر [٢] |
ومنه قيل : رجل كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئا غضبا وغما وحزنا. قال الله تعالى : (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) [٣] وقال : (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) [٤] وقال : (إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ) [٥] وقال : (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ) [٦].
وقال عبد المطلب بن هاشم :
|
فحضضت قومي فاحتبست قتالهم |
|
والقوم من خوف المنايا كظم [٧] |
وفي الحديث : «ما من جرعة أحمد عقبانا من جرعة غيظ مكظومة» [١٤٣] [٨].
وروى سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «من كظم الغيظ وهو يقدر على إنفاذه دعاه الله يوم القيامة على رؤس الخلائق حتى يخيّره من أي الحور يشاء» [١٤٤] [٩].
أنشدنا أبو القاسم محمد بن حبيب قال : أنشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح قال : أنشدنا ابن أبي الزنجي ببغداد قال : أنشدنا العرجي :
|
وإذا غضبت فكن وقورا كاظما |
|
للغيظ تبصر ما تقول وتسمع |
|
فكفى به شرفا تصبر ساعة |
|
يرضى بها عنك الإله وترفع [١٠] |
أي يرفع قدرك.
[١] البزل : جمع بازل وهي البعير الذي دخل في التاسعة وفطر نابه.
[٢] تفسير القرطبي : ٤ / ٢٠٦.
[٣] سورة يوسف : ٨٤.
[٤] سورة النحل : ٥٨.
[٥] سورة القلم : ٤٨.
[٦] سورة غافر : ١٨.
[٧] تفسير القرطبي : ٩ / ٢٤٩.
[٨] لسان العرب : ١ / ٦١٧.
[٩] سنن الترمذي : ٣ / ٢٥١ ، ح ٢٠٩٠.
[١٠] تفسير القرطبي : ٤ / ٢٠٨.