تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ٤٨
ولم يقل حفرا قال الله تعالى : (وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً) [١]. وقال : (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً) [٢].
وأما معنى الآية فقال المفسرون : نهى الله عزوجل المؤمنين عن ملاطفة الكافرين وموالاتهم ومداهنتهم ومبايعتهم إلّا أن يكون الكفّار ظاهرين غالبين ، أو يكون المؤمن في قوم كفّار ليس فيهم غيره ، ويخافهم ويداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن يسفك دما حراما ، أو مالا حراما ، أو يظهر الكافرين على عورة المؤمنين ، فالمتّقي لا يكون إلّا مع خوف القتل وسلامة النية كفعل عمار بن ياسر.
عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب ، قال : ورد رجل على النبي صلىاللهعليهوسلم بالمدينة فقال : ما أراني إلّا قد هلكت ، قال : مالك؟ قال : قد عذّبني قريش. فقلت : ما قالوا؟ قال : كيف كان قلبك؟ قال : مطمئن ، قال : فإن عادوا لك فعد لهم مثل ذلك ، قالها ثلاث مرات.
المسيب بن عبيدة عن إبراهيم ، قال : قال ابن مسعود : خالطوا النّاس ونائلوهم وصافحوهم بما يشتهون ، ودينكم لا يكون به ريبة.
وقال صعصعة بن صوحان لأسامة بن زيد [٣] : أنا كنت أحبّ إلى أبيك منك ، وأنت أحبّ إليّ من أبي [٤] ولذا أوصيك بخصلتين : خالص المؤمن وخالق [٥] الكافر ؛ فإنّ الكافر يرضى منك بالخلق الحسن ، ويحق عليك أن تخالص المؤمن [٦].
وروي عن جعفر بن محمد الصادق أنّه قال : التقية واجبة ، وإني لأسمع الرجل في المسجد يشتمني فأستر بالسارية منه لئلا يراني. وقال : الرياء مع المؤمن شرك ومع المنافق في داره عبادة.
وأنكر قوم التقيّة اليوم :
فقال معاذ بن جبل عن مجاهد : كانت التقيّة في جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين ، فأمّا اليوم فقد أعزّ الله عزوجل الإسلام ، فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتّقوا من عدوهم.
[١] سورة نوح : ١٧.
[٢] سورة المزمّل : ٨.
[٣] في المصدر : لابن يزيد.
[٤] في تاريخ دمشق : ابني.
[٥] في تاريخ دمشق (٢٤ / ٩٨) خالف.
[٦] مسند ابن راهويه : ٣ / ١٠١٧.