تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ٢٠١
إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تزور أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح من الجنة حيث شاءت ، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش ، فلمّا وجدوا طيب مقيلهم ومطعمهم ومشربهم ، ورأوا ما أعد الله تعالى لهم من الكرامة.
قالوا : يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله بنا ، كي يرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه ، فقال الله تعالى : أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم ، ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً) إلى قوله (أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)» [١٧٩] [١].
قال قتادة والربيع : ذكر لنا أنّ رجلا من أصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم قال : يا ليتنا نعلم ما فعل بإخواننا الذين قتلوا يوم أحد ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مسروق : سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية فقال : جعل الله عزوجل أرواح شهداء أحد في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش ، قال : فأطلع الله تعالى عليهم اطلاعة فقال : هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا : ربّنا ألسنا نسرح في الجنة في أيّها شئنا ، ثم اطلع عليهم الثانية فقال : هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ فقالوا : ربّنا أليس فوق ما أعطيتنا شيئا إلّا أن نحب أن تعيدنا أحياء ، ونرجع إلى الدنيا فنقاتل في سبيلك فنقتل مرة أخرى فيك قال : لا. فقالوا : فتقرئ نبيّنا منّا السلام وتخبره بأن قد رضينا ورضي عنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال جابر بن عبد الله : قتل أبي يوم أحد وترك عليّ بنات فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ألّا أبشرك يا جابر» قلت : بلى يا نبي الله قال : «إنّ أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله وكلمه كلاما فقال : يا عبد الله سلني ما شئت قال : أسألك أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانيا ، فقال : يا عبد الله إني قضيت أن لا أعيد خليقة إلى الدنيا. قال : يا ربّ فمن يبلّغ قومي ما أنا فيه من الكرامة. قال الله تعالى : أنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية» [٢] [١٨٠].
حميد عن أنس قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرّها أن ترجع إلى الدنيا ولها الدنيا وما فيها إلّا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة فيتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى» [٣] [١٨١].
وقال بعضهم : نزلت في شهداء بئر معونة ، وكان سبب ذلك على ما روى محمد بن
[١] مسند أحمد : ١ / ٢٦٦ ، سنن أبي داود : ١ / ٥٦٦ ، ح ٢٥٢٠.
[٢] تفسير القرطبي : ٤ / ٢٦٨.
[٣] مسند أحمد : ٣ / ١٢٦.