السلوك في طبقات العلماء والملوك - الجُنْدي، بهاء الدين - الصفحة ٣٩٣
الْقُرْآن خرج من بَلَده طَالبا للْعلم فوصل قَرْيَة الضُّحَى الْمُقدم ذكرهَا فادرك مُحَمَّد بن اسماعيل فاخذ عَنهُ بعض شَيْء ووجده مَشْغُولًا بِالْعبَادَة قَلِيل الْفَرَاغ لاقرأ الْعلم فعزم على الِانْتِقَال الى بعض الْفُقَهَاء وَخرج عَن الْقرْيَة فَتَبِعَهُ الْفَقِيه واعاده وَجَاء بِهِ الى وَلَده اسماعيل وَقد تفقه وَهُوَ معتكف فِي الْمَسْجِد يطالع الْكتب فَقَالَ لَهُ يَا وَلَدي قد أكرمتك اقْرَأ على هَذَا الْفَقِيه وتعليمه فَقَالَ حبا وكرامة فَكَانَ اول من لزم مجْلِس الْفَقِيه اسماعيل وتفقه بِهِ وَلم يزل عِنْده حَتَّى كمل تفقهه ثمَّ حصلت لَهُ عناية من الْفَقِيه اسماعيل فاستغرق فِي الْعِبَادَة وَظَهَرت لَهُ كرامات وَكَانَ كثيرا مَا يرى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيسأله عَن امور مشكلة فيبينها لَهُ مِنْهَا مَا اخبرني تِلْمِيذه الْفَقِيه الصَّالح ابو الْخطاب عمر بن الصفار الَّاتِي ذكره فِي أهل عدن انه لما ظهر الْكَلَام بَين قَاضِي عدن مُحَمَّد بن اِسْعَدْ الْعَنسِي والبيلقاني والمنافرة وتعب هَذَا الْفَقِيه من ذَلِك وَصَارَ يبلغهُ تَكْفِير كل مِنْهُم لصَاحبه واحتجاجه عَلَيْهِ فتحير الْفَقِيه من قبُول كَلَام احدهما وصحبته فَرَأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَنَامه واخبره باخْتلَاف القَاضِي والبيلقاني فَقَالَ الْحق مَعَ من انتسب الى احْمَد بن حَنْبَل اَوْ كَمَا قَالَ فَلَمَّا صبح وَصلى الْغَدَاة قَالَ لاصحابه اشارة لَا تَبْرَحُوا ويجتمعوا حوله فَلَمَّا حَضَرُوا قَالَ رَأَيْت البارحة كَذَا وَكَذَا ثمَّ أَمر الى القَاضِي التثبت وَلم يزل على الْحَال المرضي وَلما كمل تفقهه وَصَارَ ممليا من سر الله تَعَالَى عَاد بَلَده الطرية فَلم تطب لَهُ فَدخل مَدِينَة عدن وَسكن مَسْجِدا يعرف الان بِهِ بِنَاحِيَة حرَام السوك فتسامع بِهِ اهل عدن وقصدوه الى الْمَسْجِد وترددوا اليه حَتَّى شغلوه عَن الْعِبَادَة فتعب لذَلِك اشد التَّعَب وشكى الى بعض خواصه ذَلِك فَقَالَ يَا فَقِيه سلهم قرض شَيْء من دنياهم فَعمل ذَلِك مَعَ بَعضهم فَاعْتَذر وَخرج وَصَارَ كلما وجد احدا من نظرائه اخبره بَان الْفَقِيه سلهم اقراض شَيْء فاعتذره وانه مَتى سَأَلَهُ ايضا كَمَا ساله فَلم يكد اُحْدُ بعد ذَلِك يعود الى الْفَقِيه وَانْقطع النَّاس عَن الْوُصُول فاستراح الْفَقِيه بذلك اشد رَاحَة وَكَانَ بعدن