السلوك في طبقات العلماء والملوك - الجُنْدي، بهاء الدين - الصفحة ٤٥١
مبارك وَرُبمَا كَانَ هَذَا أكبر مِنْهُ وباشارة هَذَا الْفَقِيه بني الأتابك سنقر الْجَامِع بخنفر وَسبب ذَلِك أَن الأتابك تحمل لهَذَا الْفَقِيه مَالا وَسَأَلَهُ قبُوله كَيفَ شَاءَ أما لنَفسِهِ أَو ليفرقه على من رَاء فَلم يقبل الْفَقِيه بل قَالَ لَهُ الصَّوَاب انك تبني بِهِ جَامعا انفع لَك من ذَلِك فاعتمد الاتابك اشارته وَكَانَت مباركة وَلما توفّي خَلفه ابْنه إِبْرَاهِيم فارتحل إِلَى تهَامَة برفاقة الْفَقِيه مشقر مقدم الذّكر فَقدما على الامام أَحْمد بن مُوسَى بن عجيل فاسكنهما لبيت وَاحِد قَالَ الْفَقِيه مشقر فَبَيْنَمَا نَحن ذَات لَيْلَة نصلي التَّرَاوِيح خلف الْفَقِيه أَحْمد إِذْ رَأَيْت صَاحِبي قد ذهب نَحْو الْبَيْت وَلم يتم مَعنا التشفيع حَتَّى ذهب عَنَّا إِلَى الْمنزل الَّذِي يسكنهُ فَلَمَّا فَرغْنَا الصَّلَاة وَذهب كل الى منزله اتيت الْمنزل فَوجدت صَاحِبي حَزينًا باكيا متألما فَسَأَلته عَن سَبَب ذَلِك فَلم يجيبني بشي ثمَّ بَات لَيْلَة على ذَلِك لم يطعم طَعَاما ثمَّ ظلّ كَذَلِك ثمَّ بَات نَحوه لم يفْطر على شَيْء وَلما أَصبَحت جِئْت الى الْفَقِيه لأقرأ عَلَيْهِ فحين اردت الْقِرَاءَة اردت ابتدائها بمراجعة الْفَقِيه بِسَبَبِهِ فنهرني وَقَالَ لَا تشك من أَن ابراهيم من الابدال ثمَّ لما عدت من الْقِرَاءَة وجدته على ذَلِك الْحَال فَلم أزل الاطفه واسأله عَن سَببه فَقَالَ لي أما رَأَيْت تِلْكَ اللَّيْلَة النُّور الَّذِي نزل وَنحن فِي الصلوة وَغشيَ الْفَقِيه دون غَيره فشق على ذَلِك حَيْثُ لم يحصل لي مِنْهُ نصيب وَلَا لغيري فَقلت مَا رأى ذَلِك إِلَّا أَنْت وَقد قَالَ الْفَقِيه لَا يشك انك من الابدال
ثمَّ عقيب ذَلِك عَاد بَلَده فَلَزِمَ مَسْكَنه وابتني فِيهِ مصلا حَتَّى توفّي على الْعُزْلَة وَالْعِبَادَة لنيف وَتِسْعين وسِتمِائَة تَقْرِيبًا وَكَانَ بهَا قوم يُقَال لَهُم الكرديون يلون القضا وأصلهم اكراد كَانَ فيهم أخيار وَقد ذكر ابْن سَمُرَة جمَاعَة مِنْهُم فِي بعض نُسْخَة لم أكد أتحقق من متأخرهم غير مُحَمَّد بن ابراهيم فانه كَانَ حَاكما وَفِي طَرِيقه الَّتِي سلكها خير وَابْنه الَّذِي نقل إِلَى الشحر فأساء السِّيرَة على الْحَاكِم قبله وَأهل الْبَلَد وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك مَعَ أهل الشحر ثمَّ صَار الْفِقْه الى طبقَة أُخْرَى مِنْهُم أَبُو الْعَتِيق أَبُو بكر بن احْمَد بن عمر بن الاديب مولده سنة احدى وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وتفقه بعمر بن ابي الْغَيْث الْمُقدم ذكره وبمشقر ثمَّ ارتحل الى تهَامَة فَأخذ عَن بعض بني عجيل ثمَّ عَاد بَلَده فاقام مُدَّة طَوِيلَة على طَرِيق