السلوك في طبقات العلماء والملوك - الجُنْدي، بهاء الدين - الصفحة ٤٢٣
وَانْصَرف خائبا من الْفَقِيه وَكَانَ من قدم عدن من اهل الْفضل انما ينزل فِي الْغَالِب على هَذَا الْفَقِيه فينزله فِي بَيت من بيوته على قرب مِنْهُ وَلكَون النَّاس يَجْتَمعُونَ اليه للْقِرَاءَة عَلَيْهِ فِي مَسْجِد السماع سمى بذلك كَثْرَة مَا كَانَ يسمع فِيهِ من الْكتب على وارديه فَمِمَّنْ قدم عَلَيْهِ الْفَقِيه ابو الْخَيْر بن مَنْصُور مقدم الذّكر فِي أهل زبيد وَرُبمَا ذكرُوا أَنه اخذ عَنهُ وَقدم الْعَبَّاس بن الصُّلْح المغربي الْآتِي ذكره فَلبث كَذَلِك وَقد أَخذ عَن ابي حجر جمَاعَة من عدن وَغَيرهَا مِنْهُم شَيخنَا أَحْمد الحوازي وَأحمد الْقزْوِينِي وَمُحَمّد بن حُسَيْن الْحَضْرَمِيّ وَغَيرهم وَبلغ الْفَرْض الزكوي من مَاله اربعين الْفَا وَقيل سِتِّينَ الْفَا يتَصَدَّق بذلك فِي غَالب ايامه حَتَّى كَاد لَا يَنْقَطِع صدقته وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى توفّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء خَامِس صفر سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة وَخلف وَلدين هما مُحَمَّد وَعبد الله فمحمد تفقه وازوجه وَالِده بابنة تَاجر من أَعْيَان التُّجَّار يُقَال لَهُ السراج إدرس وَكَانَ فِيهِ سخاء مفرطا وَكَانَ لَا يبْق شَيْئا وَلَا يخيب لَهُ قَاصد فتضعضع حَاله وَركبهُ دين وَذَلِكَ بعد وَفَاة ابيه فوصله بعض مستحقي الدّين وطالبه بِمَا هُوَ لَهُ وَاغْلُظْ لَهُ الطّلب وسَمعه كلَاما فَاحِشا وَهُوَ قَاعد على بَاب دَاره فَدخل من فوره الدَّار وَعمد الى حَبل فشنق نَفسه وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة لأيام مضين من الْقعدَة سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة فَرَأى بعض أهل عدن تِلْكَ اللَّيْلَة أَنه قَائِم على بَاب الْمَسْجِد مَسْجِد أبان الْمُقدم ذكره اذ بِجَمَاعَة قد أَقبلُوا من بَاب عدن قَاصِدين الْمَدِينَة وَعَلَيْهِم هَيْئَة سنية وَلَهُم وُجُوه مضيئة فَسئلَ عَنْهُم فَقيل هَذَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجَمَاعَة من أَصْحَابه يُرِيدُونَ الصَّلَاة على رجل من أهل الْبَلَد يَمُوت غَدا فَلَمَّا اصبح الصَّباح وَجرى لهَذَا مُحَمَّد مَا جرى وَلم يمت اُحْدُ غَيره وصل الى الْموضع الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ على الْمَوْتَى وَقعد فِيهِ ينْتَظر وُصُوله ليُصَلِّي عَلَيْهِ من جملَة النَّاس قَالَ قَالَ فَأَحْبَبْت ونمت مُحْتَبِيًا وَقد فَكرت وَقلت مَا يتَصَوَّر لمثل هَذَا أَن يُصَلِّي النَّبِي الصلوة عَلَيْهِ وَقد شنق نَفسه فَسمِعت فِي مَنَامِي قَائِلا يَقُول لَا تفتك هَذِه الْجِنَازَة هُوَ هَذَا الرجل بِعَيْنِه فَاسْتَيْقَظت وجددت الْوضُوء وَتَقَدَّمت بَاب الْمَيِّت فشيعت جنَازَته وَحَضَرت الصلوة عَلَيْهِ وَالْقُرْآن لَهُ واخبرني شَيْخي احْمَد بن