الفتوح لابن اعثم

الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٢٣

عبد الله بن مطيع: خار [١] الله لك يا ابن بنت رسول الله فيما قد عزمت عليه غير أني أشير عليك بمشورة فاقبلها مني، فقال له الحسين. وما هي يا ابن مطيع؟ قال: إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرك أهل الكوفة [٢] فيها قتل أبوك وأخوك [٣] بطعنة طعنوه كادت أن تأتي على نفسه، فالزم الحرم فأنت سيد العرب في دهرك هذا، فو الله لئن هلكت ليهلكن أهل بيتك بهلاكك والسلام. قال: فودعه الحسين ودعا له بخير وسار حتى وافى مكة، فلما نظر إلى جبالها [٤] من بعيد جعل يتلو هذه الآية: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قال عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ٢٨: ٢٢ [٥] .
ودخل الحسين إلى مكة ففرح به أهلها فرحا شديدا. قال: وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشية، واشتد ذلك على عبد الله بن الزبير لأنه قد كان طمع أن يبايعه أهل مكة، فلما قدم الحسين شق ذلك عليه، غير أنه لا يبدي ما في قلبه إلى الحسين لكنه يختلف إليه ويصلي بصلاته ويقعد عنده ويسمع من حديثه وهو مع ذلك يعلم أنه لا يبايعه أحد من أهل مكة والحسين بن علي بها، لأن الحسين عندهم أعظم في أنفسهم من ابن الزبير [٦] .
قال: وبلغ ذلك أهل الكوفة أن الحسين بن علي قد صار إلى مكة. وأقام الحسين بمكة باقي شهر شعبان ورمضان وشوال وذي [٧] القعدة. قال: وبمكة يومئذ عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، فأقبلا جميعا حتى دخلا على الحسين وقد عزما على أن ينصرفا إلى المدينة فقال له ابن عمر: أبا عبد الله! رحمك الله اتق [٨] الله الذي إليه معادك! فقد عر فت من عداوة أهل هذا البيت لكم وظلمهم إياكم، وقد ولي الناس هذا الرجل، يزيد بن معاوية، ولست


[١] أي جعل لك الخير.
[٢] في الأخبار الطوال ص ٢٢٨ وابن الأثير ٢/ ٥٣٣ فإياك والكوفة فإنها بلدة مشؤومة.
[٣] الأخبار الطوال وابن الأثير: وبها خذل أخوك.
[٤] في النسخ: «حالها» وما أثبتناه الصواب.
[٥] سورة القصص الآية ٢٢.
[٦] في البداية والنهاية ٨/ ١٧٥ أن ابن الزبير كان يغدو ويروح إلى الحسين ويشير عليه أن يقدم العراق، ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك.
[٧] بالأصل: ذو.
[٨] بالأصل: اتقي.