الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٤٩
من يخرج عنك، فإذا أظهرك الله على يزيد بن معاوية فاستخلفني على أجل أعمالك [١] فأنتفع وأرد على أهل بيتي شيئا. فقال له ابن الزبير: أنا أبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال المختار: لا والله لا أبايعك إلا على هذه الخصال! قال: فسكت ابن الزبير، فقال له العباس: اشتر منه دينه حتى ترى من رأيك! قال ابن الزبير: أبا إسحاق! فإني أبايعك على ما ذكرت، قال: ثم بسط يده فبايعه المختار وأتى إلى منزله.
قال: فجعل الناس يبايعون عبد الله بن الزبير، حتى بايعه خلق كثير من أهل الحجاز وغيرهم من أهل الأمصار، ويزيد بن معاوية لا يعلم بشيء من ذلك. حتى إذا علم ابن الزبير أنه قد قوي ظهره بهؤلاء الخلق الذين قد بايعوه أظهر عيب يزيد سرا وجهرا وجعل يلعنه ويقول فيه وفي بني أمية كل ما قدر عليه من الكلام القبيح، ثم إنه كان يصعد المنبر فيقول: أيها الناس! إنكم قد علمتم ما سارت به فيكم بنو أمية من نبذ الكتاب والسنة، وما سار به معاوية بن أبي سفيان إنه تأمر على هذه الأمة بغير رضا، وادعى زياد بن أبيه ردا منه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والنبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ، فادعى معاوية زيادا وزعم أنه أخوه، وقتل حجر بن عدي الكندي ومن معه من المسلمين، ثم إنه أخذ البيعة لابنه يزيد في حياته، ونقض ما كان في عنقه من بيعة الحسين بن علي رضي الله عنهما، ثم هذا يزيد بن معاوية قد علمتم ما فعل بالحسين وإخوته وأولاده وبني عمه، قتلهم كلهم وأسر من بقي منهم وحملهم إلى الشام على محامل ليس لهم وطأ ولا راعي فيهم حق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو مشغول بلعب الفهود والقرود، وشرب الخمر والمعاصي والفجور، فاتقوا الله عباد الله! فقد علمتم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما ولي أمر هذه الأمة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم خطب وقال في خطبته: أيها الناس! أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. مع كلام كثير كان له ولعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولست أذكر أحدا من الخلفاء الراشدين إلا أخبر عن أني أنهاكم عن طاعة من عصى الله وتعدى مرة. قال: فكان الناس يجتمعون إليه ويقولون بقوله حتى فشا ذلك في الناس. قال: وبلغ ذلك يزيد فلم تحمله الأرض غيظا.
[١] الطبري: وإذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك.