الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٩٦
قال: وأرسل إليه الحسين رضي الله عنه بريرا [١] . فقال برير: يا عمر بن سعد! أتترك أهل بيت النبوة يموتون عطشا وحلت بينهم وبين الفرات أن يشربوه وتزعم أنك تعرف الله ورسوله؟ قال: فأطرق عمر بن سعد ساعة إلى الأرض ثم رفع رأسه وقال: إني والله أعلمه يا برير علما يقينا أن كل من قاتلهم وغصبهم على حقوقهم في النار لا محالة، ولكن ويحك يا برير [٢] ! أتشير عليّ أن أترك ولاية الري فتصير لغيري؟ ما أجد نفسي تجيبني إلى ذلك أبدا، ثم أنشأ يقول:
دعاني عبيد الله من دون قومه ... إلى خطة فيها خرجت لحيني
فو الله لا أدري وإني لواقف ... على خطر بعظم على وسيني
أأترك ملك الريّ والريّ رغبة [٣] ... أمّ أرجع مذموما [٤] بثأر حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها ... حجاب وملك الري قرة عين
قال: فرجع برير بن حضير إلى الحسين فقال: يا ابن بنت رسول الله! إن عمر بن سعد قد رضي أن يقتلك بملك الري.
قال: فلما أيس الحسين من القوم وعلم أنهم قاتلوه أقبل على أصحابه فقال:
قوموا فاحفروا لنا حفيرة حول عسكرنا هذا شبه الخندق وأججوا فيه نارا، حتى يكون قتال القوم من وجه واحد لا نقاتلهم ولا يقاتلون فنشتغل بحربهم ولا نضيع الحرم قال: فوثب القوم من كل ناحية وتعاونوا وحفروا خندقا، ثم جمعوا الشوك والحطب وألقوه في الخندق وأججوا فيه النار. وأقبل رجل من معسكر عمر بن سعد يقال له مالك [٥] بن حوزة على فرس له حتى وقف عند الخندق وجعل ينادي: أبشر يا حسين! فقد تلفحك النار في الدنيا قبل الآخرة [٦] ! فقال له الحسين: كذبت يا عدو الله! إني قادم [٧] على رب رحيم وشفيع مطاع، وذلك جدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ثم قال
[١] لعله برير بن حضير، وورد اسمه في الطبري ٥/ ٤٢١ ممن كان مع الحسين بن علي (رض) .
[٢] بالأصل «يزيد» .
[٣] عن معجم البلدان (ري) ، وبالأصل «رقبة» .
[٤] عن معجم البلدان، وبالأصل «مطلوبا» .
[٥] في الطبري ٥/ ٤٣٠ عبد الله.
[٦] في الطبري: «أبشر بالنار» وفي رواية أخرى فيه ٥/ ٤٢٣ أن شمر بن ذي الجوشن أقبل إلى معسكر الحسين (رض) ونادى بأعلى صوته: يا حسين، استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة.
[٧] الطبري: أقدم.