الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٦٦
قال: فبقي الحصين حائرا ماذا يصنع! ثم أرسل إلى عبد الله بن الزبير فقال إن أذنت لي أن أدخل مكة فأهلّ بالعمرة! فأرسل إليه عبد الله بن الزبير: ذلك إليك.
قال: فدخل أهل الشام إلى مكة نادمين على ما كان منهم، فلما عزموا على الرحيل منها إلى الشام أقبل الحصين إلى عبد الله بن الزبير فجلس إليه ثم قال: أبا بكر! إن يزيد بن معاوية قد مضى إلى حال سبيله، وليس بالشام خليفة، وهذا الجيش معي كما ترى، فاخرج معي إلى الشام حتى تكون خليفة هناك فأنت رجل من أبناء المهاجرين الأولين. قال: فرفع عبد الله بن الزبير صوته، وقال: لا والله أو أقتل بكل رجل قتل من الحرة عشرة آلاف من أهل الشام [١] . قال: فقال له الحصين:
ويحك [٢] يا ابن الزبير! تزعم أنك عاقل وأنا أكلّمك بهذا سرا وتكلمني جهرا، وأدعوك إلى أن تكون خليفة وتوعدني بالقتل! يا ابن الزبير! إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلّى الله عليه وآله وسلّم من مكة، ثم إنه لم يرضها له دارا حتى نقله إلى المدينة، فكانت المدينة داره وقراره إلى أن أدركته الوفاة صلّى الله عليه وآله وسلّم والمدينة موضع قبره ومنزله ومنبره، ثم صار الأمر من بعده إلى أبي بكر، ثم إلى عمر، ثم إلى عثمان- رضي الله عنهم-، فلما قتل أهل المدينة عثمان انتقلت الخلافة إلى الشام والشام دار الخلافة، فاقبل مني يا ابن الزبير واخرج معي إلى الشام، فأنا أول من يبايعك ثم يبايعك أهل هذا العسكر وأهل الشام جميعهم. قال: فأبى عبد الله بن الزبير أن يجيب الحصين بن نمير إلى ذلك.
قال: فرحل الحصين إلى الشام بعسكره ذلك، وانصرف أهل البصرة إلى البصرة، وبها يومئذ عبيد الله بن زياد، ثم أرسل إليهم فدعاهم ثم قال: يا أعداء الله! أخرجتم من البصرة لنصرة عبد الله بن الزبير لتعينوه على أمير المؤمنين يزيد بن معاوية؟ قال فقالوا له: أيها الأمير! إنا ما خرجنا إلى مكة لنعين عبد الله بن الزبير على يزيد، وإنما خرجنا لننصر البيت الحرام من أهل الشام، وأما يزيد فقد مضى لسبيله ولعله قد بلغك ذلك! قال: وكان الخبر وقع إلى عبيد الله بن زياد بأن يزيد قد
[ () ] تنوزع في سبب وفاته فمنهم من رأى أنه سقي شربة ومنهم من رأى أنه مات حتف أنفه ومنهم من رأى أنه طعن ٣/ ٨٩.
[١] في مروج الذهب ٣/ ٩٩: أبعد قتل أهل الحرة، لا والله حتى أقتل بكل رجل خمسة من أهل الشام، وانظر الطبري ٥/ ٥٠٢ الأخبار الطوال ص ٢٦٨ والإمامة والسياسة ٢/ ٢٠.
[٢] في مروج الذهب: من زعم يا ابن الزبير أنك داهية فهو أحمق. وانظر ما حرى بينهما في المصادر السابقة. حيث أضاع عبد الله بن الزبير فرصة ثمينة لم تتكرر وسيدفع بعد قليل ثمن غلطته هذه حياته.
وكان آخر ما قال له الحصين: والله لا تفلح أبدا وفستعلم أينا المقتول.