الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٣٠
توماء [١] ، ثم أتي بهم حتى وقفوا على درج باب المسجد حيث يقام السبي. وإذا الشيخ قد أقبل حتى دنا منهم وقال: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح الرجال من سطوتكم وأمكن أمير المؤمنين منكم. فقال له علي بن الحسين: يا شيخ! هل قرأت القرآن؟ فقال: نعم قد قرأته، قال: فعرفت هذه الآية قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبى ٤٢: ٢٣ [٢] ؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك، قال علي بن الحسين رضي الله عنه: فنحن القربى يا شيخ! قال: فهل قرأت في سورة بني إسرائيل:
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ١٧: ٢٦ [٣] ؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك، فقال علي رضي الله عنه: نحن القربى يا شيخ! ولكن هل قرأت هذه الآية وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ من شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ٨: ٤١ [٤] . [قال الشيخ: قد قرأت ذلك، قال علي] [٥] : فنحن ذو القربى يا شيخ! ولكن هل قرأت هذه الآية إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ٣٣: ٣٣ [٦] ؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك، قال علي: فنحن أهل البيت الذين خصصنا بآية الطهارة. قال: فبقي الشيخ ساعة ساكتا نادما على ما تكلمه، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم! إني تائب إليك مما تكلمته ومن بغض هؤلاء القوم، اللهم إني أبرأ إليك من عدو محمد وآل محمد من الجن والإنس.
قال: ثم أتي بهم حتى أدخلوا على يزيد وعنده يومئذ وجوه أهل الشام، فلما نظر إلى علي بن الحسين رضي الله عنه قال له: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا علي بن الحسين، فقال: يا علي! إن أباك الحسين قطع رحمي وجهل حقي ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت، فقال علي بن الحسين: ما أَصابَ من مُصِيبَةٍ في الْأَرْضِ وَلا في أَنْفُسِكُمْ إِلَّا في كِتابٍ من قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ ٥٧: ٢٢ [٧] . فقال يزيد لابنه خالد [٨] : اردد عليه يا بني! فلم يدر خالد ماذا يقول [٩] ،
[١] باب توماء (توما) أحد أبواب مدينة دمشق.
[٢] سورة الشورى الآية ٤٣.
[٣] سورة الإسراء الآية ٢٦.
[٤] سورة الأنفال الآية ٤١.
[٥] زيادة اقتضاها السياق.
[٦] سورة الأحزاب الآية ٣٣.
[٧] سورة الحديد الآية ٢٢.
[٨] في البداية والنهاية: أجبه.
[٩] في الطبري وابن الأثير وابن كثير: فما درى خالد ما يرد عليه.