الفتوح لابن اعثم

الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٢٢

الناس يومئذ حيارى قد ردّوا أيديهم في أفواههم، قال: ونظرت إلى شيخ من قدماء أهل مكة وقد بكى حتى اخضلت [١] لحيته وهو يقول: قد صدقت المرأة! كهولهم خير كهول، وشبابهم خير شباب إذا نطقوا نطق سبحان.
ذكر دخول القوم على عبيد الله بن زياد
قال: ثم أتى القوم حتى أدخلوا على عبيد الله بن زياد ونظرت إليه زينب بنت علي رضي الله عنه فجلست ناحية [٢] ، فقال ابن زياد: من الجالسة؟ فلم تكلمه، فقال الثانية: من الجالسة؟ فلم تكلمه، فقال رجل [٣] من أصحابه: هذه زينب بنت علي رضي الله عنه فقال ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم [٤] وأكذب أحدوثتكم! فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم وطهرنا في كتابه تطهيرا، وإنما يفضح [٥] الفاسق ويكذب الفاجر. فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ فقالت زينب رضي الله عنها: ما رأيت إلا جميلا [٦] ، هؤلاء القوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم يا ابن زياد، فتحاجون وتخاصمون، فانظر لمن الفلح يومئذ! ثكلتك أمك يا ابن مرجانة! قال: فغضب ابن زياد من ذلك، فقال له عمرو بن حريث [٧] المخزومي: أصلح الله الأمير! إنها امرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها [٨] ، فقال ابن زياد: لقد أشفى الله [نفسي] [٩] من طاغيتك والعصاة المردودة [١٠] من أهل بيتك. فقالت زينب: لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي [١١] واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت.
فقال ابن زياد: هذه شجاعة لا حرج، لعمري لقد كان أبوك شاعرا شجاعا، فقالت


[١] بالأصل «أخضبت» وما أثبت عن الدر المنثور.
[٢] في الطبري أن زينب لبست أرذل ثيابها وتنكرت وحفت بها إماؤها.
[٣] الطبري ٥/ ٤٥٧ فقال بعض إمائها.
[٤] في الطبري وابن الأثير: فضحكم وقتلكم.
[٥] في الطبري: لا كما تقول أنت، إنما يفتضح الفاسق.
[٦] بالأصل: «حملا» وما أثبت المناسب للسياق.
[٧] عن الطبري، وبالأصل: صالح.
[٨] زيد في الطبري: ولا تلام على خطل.
[٩] عن الطبري. وفي ابن الأثير: غيظي.
[١٠] الطبري وابن الأثير: المردة.
[١١] في الطبري زيد: وأبرت أهلي.