الاَئمّة الاثنا عشر - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٦ - خروجه من مكّة ومكاتبة أهل الكوفة له
من جدّية هذا الاَمر، ثمّ كتب إليهم: «أمّا بعد؛ فإنّ هانئاً وسعيداً قدما عليَّ
بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليَّ من رسلكم، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم
وذكرتم، ومقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على
الحقّ والهدى، وإنّي باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن
عقيل، فإن كتب إليَّ: أنّه قد اجتمع رأي ملَئِكم وذوي الحجى والفضل منكم
على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم، وقرأته في كتبكم، فإنّي أقدم عليكم وشيكاً
إن شاء الله، فلعمري ما الاِمام إلاّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين
الحق، الحابس نفسه على ذات الله»[١].
ثمّ خرج الاِمام من مكة متوجّهاً إلى الكوفة يوم التروية أو يوماً قبله مع أهل
بيته وجماعة من أصحابه وشيعته، وكان كتاب من مسلم بن عقيل قد وصل إليه
يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفاً من أهل الكوفة، وذلك قبل أن تنقلب الاَُمور على
مجاريها بشكل لا تصدّقه العقول، حيث استطاع عبيد الله بن زياد بخبثه ودهائه،
وإفراطه في القتل، أن يثبّط همم أهل الكوفة، وأن تنكث بيعة الاِمام الحسين_ عليه السلام _،
ويقتل سفيره بشكل وحشيّ بشع.
ولمّا أخذ الاِمام _ عليه السلام _ يقترب من الكوفة استقبله الحرّ بن يزيد الرياحي بألف فارس مبعوثاً من الوالي عبيد الله بن زياد لاستقدامه وإكراهه على إعطاء البيعة ليزيد، وإرساله قهراً إلى الكوفة، فعند ذلك قام الاِمام وخطب بأصحابه وأصحاب الحرّ بقوله: «أيّها الناس إنّ رسول الله قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاّ حرم الله ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباده بالاِثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله، ألا
[١] المفيد، الارشاد: ٢٠٤.