الاَئمّة الاثنا عشر - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٩ - أسئلة مهمّة حول المهدي ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ
كما عرفت من تواتر الروايات على غَيبته.
الثاني: إنّ الغَيبَة لا تلازم عدم التصرف في الاَُمور، وعدم الاستفادة من
وجوده، فهذا مصاحب موسى كان ولياً، لجأ إليه أكبر أنبياء الله في عصره، فقد
خرق السفينة التي يمتلكها المستضعفون ليصونها عن غصب الملك، ولم يَعْلَم
أصحاب السفينة بتصرّفه، وإلاّ لصدُّوه عن الخرق، جهلاً منهم بغاية علمه. كما أنّه
بنى الجدار، ليصون كنز اليتيمين، فأي مانع حينئذ من أن يكون للاِمام الغائب في
كلّ يوم وليلة تصرّف من هذا النمط من التصرّفات. ويؤيد ذلك مادلّت عليه
الروايات من أنّه يحضر الموسم في أشهر الحج، ويحجّ ويصاحب الناس، ويحضر
المجالس، كما دلتّ على أنّه يغيث المضطرين، ويعود المرضى، وربّما يتكفّل ـ بنفسه
الشريفة ـ قضاء حوائجهم، وإن كان الناس لا يعرفونه.
الثالث: المُسَلّم هو عدم إمكان وصول عموم الناس إليه في غَيبته، وأمّا عدم
وصول الخواص إليه، فليس بأمر مسلّم، بل الذي دلّت عليه الروايات خلافه،
فالصلحاء من الاَُمّة الذين يُستَدَرُّ بهم الغمام، لهم التشرّف بلقائه، والاستفادة من
نور وجوده، وبالتالي تستفيد الاَُمّة بواسطتهم.
الرابع: لا يجب على الاِمام أن يتولّى التصرّف في الاَُمور الظاهرية بنفسه، بل
له تولية غيره على التصرف في الاَُمور كما فعل الاِمام المهدي ـ أرواحنا له الفداء ـ
في غَيبته. ففي الغيبة الصغرى، كان له وكلاء أربعة، يقومون بحوائج الناس، وكانت
الصلة بينه وبين الناس مستمرّة بهم. وفي الغيبة الكبرى نصب الفقهاء والعلماء
العدول العالمين بالاَحكام، للقضاء وتدبير الاَُمور، وإقامة الحدود، وجعلهم حجة
على الناس، فهم يقومون في عصر الغيبة بصيانة الشرع عن التحريف، وبيان
الاَحكام، ودفع الشبهات، وبكل ما يتوقّف عليه نظم أُمور الناس[١].
[١] المراد من الغيبة الصغرى، غيبته ـ صلوات الله عليه ـ منذ وفاة والده عام ٢٦٠هـ إلى عام ٣٢٩هـ، وقد كانت الصلة بينه وبين الناس مستمرة بواسطة وكلائه الاَربعة: الشيخ أبي عمرو عثمان بن سعيد العمري، وولده الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان، والشيخ أبي القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت، والشيخ أبي الحسن علي بن محمد السَّمري.
والمراد من الغيبة الكبرى: غيبته من تلك السنة إلى زماننا هذا، انقطعت فيها النيابة الخاصّة عن طريق
أشخاص معينين، وحلّ محلّها النيابة العامّة بواسطة الفقهاء والعلماء العدول، كما جاء في توقيعه
الشريف: «وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيهاإلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عيلكم، وأنا حجّة الله
عليهم» (كمال الدين، الباب ٤٥، ص ٤٨٤).