الاَئمّة الاثنا عشر - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٦
الذي هو مستقيم، لا يعدلون عن الجنّة إلى النار ولا إلى غير النار سوى الجنّة»[١]،
وكان قد استفحل أمر الغلاة في عصر الاِمام العسكري ونسبوا إلى الاَئمّة الهداة
أُموراً هم عنها براء، ولاَجل ذلك يركّز الاِمام على أنّ الصراط المستقيم لكل مسلم
هو التجنّب عن الغلو والتقصير.
٣ ـ ربّما تغتر الغافل بظاهر قوله سبحانه: (صِراطَ الَّذِينَ أْنعَمْتَ عَلَيهِم )
ويتصوّر أنّ المراد من النعمة هو المال والاَولاد وصحّة البدن، وإن كان كلّ هذا نعمة
من الله، ولكنّ المراد من الآية بقرنية قوله: (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيْهِم ولا الضَّالِّين )[٢]
هو نعمة التوفيق والهداية، ولاَجل ذلك نرى أنّ الاِمام يفسّر هذا الاِنعام بقوله:
«قولوا اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك، وهم الذين
قال الله عزّ وجلّ: (وَمَنْ يُطِع اللهَ والرَّسُولَ فَأُولِئكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ
النَّبِيَّينَ والصَّديقينَ والشُّهداءِ وَالصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُولِئكَ رَفيقاً ) ثمّ قال: ليس
هؤلاء المنعم عليهم بالمال وصحّة البدن وإن كان كلّ هذا نعمة من الله ظاهرة»[٣].
٤ ـ لقد تفشّت آنذاك فكرة عدم علمه سبحانه بالاَشياء قبل أن تخلق، تأثراً
بتصورات بعض المدارس الفكرية الفلسفية الموروثة من اليونان، فسأله محمّد بن
صالح عن قول الله: (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ )[٤]فقال: «هل
يمحو إلاّ ما كان وهل يثبت إلاّ مالم يكن»؟
فقلت في نفسي: هذا خلاف ما يقوله هشام الفوطي: إنّه لا يعلم الشيء حتى يكون، فنظرإليَّ شزراً، وقال: «تعالى الله الجبّار العالم بالشيء قبل كونه، الخالق
[١] الصدوق معاني الاَخبار: ص ٣٣.
[٢] الفاتحة: ٧.
[٣] المصدر نفسه: ٣٦.
[٤] الرعد: ٣٩: