رسالة في التحسين والتقبيح العقليين - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٣ - ٢ مذهب اللذة الشخصية المحددة
وهو في الفلسفة تلميذ «ذيمقراطيس» الذي يقول: إنّ الاَصل في كلّ معرفة هو الحس، وعن طريقه وحده تتمّ المعرفة، وإنّالاَجسام موَلفةمن أجزاء لا تتجزأ.
واللازم هنا دراسة الاَخلاق الابيقورية، وخلاصتها انّ «ابيقور » يفرّق بين أنواع عدة من اللذة والاَلم، فهو لا ينظر إلى اللذة بحسبانها اللذة الحسية الصرفة، التي يجدها الاِنسان في الاِحساس المباشر بما هو ملائم في اللحظة والزمن المعينين بل يفاضل بين اللّذات بعضها وبعض، وبين الآلام بعضها وبعض، فيجعل بعض الآلام أفضل من بعض اللّذات، لاَنّ في احتمال هذه الآلام ما يوَدي إلى لذة أكبر، ولاَنّ في تجنب هذه اللّذات ما يوَدي إلى تجنب آلام أكبر. [١]
إنّما يجب أن نحسب حساباً إلى جانب الآلام واللّذات في ذاتها، للّذات والآلام المترتبة عليها، فإذا كنا نجد لذة تنتج ألماً تأثُرنا به أشد بكثير من تنعُّمنا وتملينا باللّذة الاَُولى، كان علينا أن نتجنب هذه اللّذة حرصاً على تجنب ألم أكبر، وإذا كان بعض الآلام من شأنه أن ينقضي إلى لذة درجتها أكبر من درجة الاَلم المنتج لها، كان علينا أن نعاني هذا الاَلم حرصاً على تحصيل هذه اللّذة الكبرى.
إنّ المذهب اللذِّي عند أبيقور يختلف كل الاختلاف عن المذهب اللذِّي عند القورينائيّين [٢] فهوَلاء كانوا يطلبون اللّذة كائناً ما كان نوعها، أو درجتها، أو النتائج المترتبة عليها، ولم يكونوا ينظرون إلى اللّذات بوصفها تكون كلاًّ واحداً متصلاً بلذات الاِنسان، بل كانوا ينظرون إلى هذه اللّذات كأشياء مفردة مستقلة بعضها عن بعض، وكأنّ لحظات الحياة الاِنسانية المتتابعة مستقلة بعضها عن بعض، حتى ليعطي الاِنسان أو ليجب عليه أن يعطي كلّلحظة استقلالها وقيامها بذاتها. ولا داعي إذاً للنظر إلى مايترتب عليها مما يجري في لحظات تالية.
[١]موسوعة الفلسفة: ١|٨٦. [٢]لاحظ ص ١٧٢.