رسالة في التحسين والتقبيح العقليين - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٦ - الدليل السادس جواز التكليف بما لا يطاق شرعاً
وكلا البناءين باطلان، لاَنّ علمه واستغناءه تعالى يمنع عن صدور ما لا
يكون جهات كماله وخيره غالباً على جهات نقصه وشره، وصدورها معها على
سبيل الوجوب لا ينافي الاختيار وإلاّلم يكن بالاختيار أصلاً ولو منه تعالى كما لا
يخفى. [١]
الدليل السادس: جواز التكليف بما لا يطاق شرعاً
اعتمد الرازي في إنكاره للحسن والقبح العقليين على أنّ التكليف بما لا يطاق قبيح عقلاً عند العدلية مع أنّ الشرع أمر به، قال: إنّمن صور النزاع قبح تكليف مالا يطاق، فنقول:
١. لو كان قبيحاً لما فعله اللّه تعالى، وقد فعله بدليل أنّه كلف الكافر بالاِيمان، مع علمه بأنّه لا يوَمن وعلمه بأنّه متى كان كذلك كان الاِيمان منه محالاً.
٢. لاَنّه كلّف أبا لهب بالاِيمان، ومن الاِيمان تصديق اللّه تعالى في كلّ ما أخبر عنه، وممّا أخبر عنه أنّه لا يوَمن، فقد كلّفه بأن يوَمن بأنّه لا يوَمن، وهو تكليف الجمع بين الضدين. [٢]
يلاحظ عليه: أنّ الرازي تصور انّه قد وقف على دليل حاسم في المقام، فاستدل بما ذكرته المجبرة قبله بقرون وأجابت عنه العدلية بوجوه، وقال الرازي في بعض كلماته: لو اجتمعت جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه حرفاً إلاّ بالتزام مذهب هشام وهو انّه تعالى لا يعلم الاَشياء قبل وقوعها. [٣]
أقول: إنّ ما نسبه إلى هشام بن الحكم فرية عليه كما أوضحناه في محله [٤]، وأمّا الاِجابة عن الدليلين الاَوّلين فلاَنّ علمه الاَزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل من
[١] درر الفوائد في شرح الفرائد: ٣٣٩. [٢]المحصل: ١٥٣، ط دارالفكر؛ نقد المحصل: ٣٣٩، ط طهران. [٣]شرح المواقف: ٨|١٥٥. [٤]لب الاَثر في الجبر والقدر:١٥٠.