رؤية الله

رؤية الله - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٥


نقول: بأنه أخبر عن جوده وسخائه، والعبرة في النسبة المراد الجدي لا الاستعمالي، وهذه هي القاعدة الكلية في تفسير كلمات الفصحاء والبلغاء.
والآن سنوضح مفاد الآية ونبيّن ماهو المراد الاستعمالي والجدي فيها، وذلك لا يعلم إلّابرفع ابهام الآية بمقابلها، فنقول: إنّ هناك ستة آيات تقابلها ثلاثة، وهي كالآتي:
١- «كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةِ» يقابلها: «وَتَذَرُونَ الْآخِرَةِ».
٢- «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ» يقابلها: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ».
٣- «إِلَى‌ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» يقابلها: «تَظنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ».
فلا شك أنّ الآيات الأربع الأُول واضحة لا خفاء فيها، وانّما الابهام وموضع النقاش هو الشق الأول من التقابل الثالث، فهل المراد منه جداً هو الرؤية، أو انها كناية عن انتظار الرحمة؟ والذي يعيّن أحد المعنيين هو الشقّ الثاني من التقابل الثالث، أعني «تَظنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ» فهو صريح في أنّ أصحاب الوجوه الباسرة ينتظرون العذاب الكاسر لظهرهم، ويظنّون نزوله. وهذا الظن لا ينفكّ عن الانتظار، فكلّ ظانّ لنزول العذاب منتظر، فيكون قرينة على أنّ أصحاب الوجوه المشرقة ينظرون إلى ربهم، أي يرجون رحمته، وهذا ليس تصرّفاً في الآيات ولا تأويلًا لها، وإنّما هو رفع الإبهام عن الآية بالآية المقابلة لها، وترى‌ ذلك التقابل والانسجام في آيات أُخرى‌، غير أنّ الجميع سبيكة واحدة.
١- «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ» يقابلها: «ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ».