البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر - المنتظري، الشيخ حسين علي - الصفحة ٩٣
التمام في الحضر؟ فقال (عليه السلام): " أو ليس قد قال الله عز وجل في الصفا والمروة: (فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما)؟ ألا ترون أن الطواف بهما واجب مفروض لأن الله عز وجل ذكره في كتابه وصنعه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر الله في كتابه (إلى أن قال:) وقد سافر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ذي خشب، وهي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان: أربعة وعشرون ميلا، فقصر وأفطر فصارت سنة، وقد سمى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوما صاموا حين أفطر: العصاة. " قال: " فهم العصاة إلى يوم القيامة، وإنا لنعرف أبناءهم أبناء أبنائهم إلى يومنا هذا. " [١] ولا يخفى أن قولهما: " ولم يقل: افعلوا " دليل على أن الأمر في ارتكازهما للوجوب.
والظاهر أن الإمام (عليه السلام) لم يرد إثبات وجوب القصر والسعي بنفس الآيتين، وإنما أراد نفي منافاتهما للوجوب وبيان دلالتهما على أصل التشريع والجواز بالمعنى الأعم الشامل للوجوب وغيره، والوجوب يستفاد من عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومداومته ومن أقوالهم المأثورة عنهم (عليهم السلام) [٢]
[١] الوسائل ٥ / ٥٣٨ (= ط. أخرى ٨ / ٥١٧)، الباب ٢٢ من أبواب صلاة المسافر،
الحديث ٢؛ عن الفقيه ١ / ٤٣٤. والآية الثانية من سورة البقرة (٢)، رقمها ١٥٨.
[٢] أقول: الظاهر أن سوق الآيتين الشريفتين لدفع توهم الحظر ورفع الاستبعاد لا
لتشريع حكم القصر والسعي، وإنما ثبت حكم القصر بعمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحكم السعي
بالسيرة المستمرة بين الأعراب وإمضاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لها. بيان ذلك: أن الأصل في الصلاة
والمعهود منها بين المسلمين كان هو التمام، فكان حكم القصر موردا لتوهم
الحظر والاستبعاد، فنزلت الآية لدفع ذلك ببيان ما يقتضي التخفيف والسعة من
الخوف الضرب في الأرض الملازم للمشقة غالبا. والسعي بين الصفا والمروة كان معمولا
متداولا بين من يحج البيت من أهل الجاهلية، وكان عليهما صنمان من أصنامهم يقال لهما
أساف ونائلة؛ فتوهم بعض المسلمين أن السعي بينهما لم يكن مما شرعه الله، وليس
للموضعين حرمة عنده تعالى، وإنما ابتدعه المشركون لتكريم الصنمين، فنزلت آية السعي
لرفع هذا التوهم ح ع - م.