البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر - المنتظري، الشيخ حسين علي - الصفحة ١٥٦
الشرط الثاني: قصد المسافة ومن شروط القصر: قصد المسافة. فلو قصد ما دون المسافة ثم تمادى به السير إلى أن كملت المسافة لم يقصر بلا خلاف في ذلك.
ويدل عليه بعض الأخبار، مثل ما رواه الشيخ بإسناده عن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن رجل، عن صفوان، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل، فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان، وهي أربعة فراسخ من بغداد، أيفطر إذا أراد الرجوع ويقصر؟ فقال: " لا يقصر ولا يفطر، لأنه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ، إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير إلى الموضع الذي بلغه... " [١] ويحمل على ذلك أيضا ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ، ويأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك ثم ينزل في ذلك الموضع؟ قال: " لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة. " [٢] [٣]
[١] الوسائل ٥ / ٥٠٣ (= ط. أخرى ٨ / ٤٦٨)، الباب ٤ منها، الحديث ١، (الخامس من
الطائفة الثالثة).
[٢] المصدر السابق ٥ / ٥٠٤ (= ط. أخرى ٨ / ٤٦٩)، والباب، الحديث ٣.
٣. وربما يستدل لاعتبار القصد أيضا بما دل على تحديد المسافة واعتبارها بضميمة
الإجماع والنصوص على جواز التقصير عند بلوغ حد الترخص، إذ يستفاد من ذلك عدم
اعتبار طيها في التقصير فيتعين كون الاعتبار بقصدها.
وفيه أنه من الممكن أن يكون القصد طريقيا ويكون الموضوع للتقصير التلبس بسفر
الثمانية، فتأمل، أو طي الثمانية خارجا بنحو الشرط المتأخر.
لا يقال: يستفاد من صحيحة زرارة - الحاكمة فيمن قصد المسافة وصلى قصرا ثم بداله
بعدم وجوب الإعادة - أن طي المسافة خارجا غير معتبر في التقصير، وقد أفتى على طبقها
المشهور.
فإنه يقال: يعارض الرواية في ذلك صحيح أبي ولاد وخبر المروزي، حيث حكما في
الفرض بالإعادة، ولا نسلم إعراض المشهور عنهما وإن ادعي، لعدم كون المسألة معنونة في
كلمات أكثر القدماء. نعم، عنونها الشيخ وأفتى في النهاية ص ١٢٣ بمضمون صحيحة
زرارة، وفي الاستبصار - ج ١ ص ٢٢٨ - والتهذيب - ج ٤ ص ٢٢٦ - جعل المدار خبر
المروزي وحمل صحيحة زرارة على القضاء خارج الوقت، أو على ما إذا لم يقض له الخروج
ولكن لم يرجع بعد عن نية السفر، إذ يلزمه القصر حينئذ بينه وبين ثلاثين يوما.
وكيف كان فليس الإفتاء بعدم الإعادة في الفرض مشهورا بين القدماء من أصحابنا بحيث
يحرز به إعراضهم عن الخبرين. نعم، اشتهر بين المتأخرين الإفتاء بذلك وحمل الخبرين
على الاستحباب، مع أن هذا الحمل بعيد عن مساقهما جدا، فراجع.
ثم إنهم اعتبروا وراء المسافة وقصدها استمرار القصد، فجعلوه شرطا ثالثا واستدلوا على
اعتباره بصحيح أبي ولاد ورواية المروزي.
وفيه أن المستفاد منهما كون الإتمام مستندا إلى عدم تحقق طي المسافة خارجا لا عدم
استمرار القصد، كما أن الإتمام في الفروع التي فرعها في العروة - ج ٢ ص ١١٩، في الشرط
الثالث من شروط القصر - على اعتبار الاستمرار أيضا لعله مستند إلى عدم تحقق طيها.
نعم، لو كان الاستمرار شرطا زائدا وراء المسافة وقصدها تفرع عليه وجوب الإتمام فيما إذا
قصد المسافة ثم بدا له في الأثناء ولكن تمادى به السير إلى الثمانية. وكيف كان فاستفادة
اعتبار هذا الشرط من الخبرين مشكل. نعم، يمكن أن يقال: إن المستفاد من أدلة اعتبار
القصد اعتباره بنحو يكون سير الثمانية ناشئا منه لا اعتبار حدوثه أولا في نفس المسافر إن
لم يكن سيره مستندا إليه، فتدبر. ح ع - م. وصحيح أبي ولاد رواه الشيخ في الاستبصار
١ / ٢٣٨؛ والتهذيب ٣ / ٢٢١.