البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر - المنتظري، الشيخ حسين علي - الصفحة ٣٨
كان دأب الناس وديدنهم في جميع البلدان، وصار هذا الأمر مر كوزا في أذهان جميع المسلمين حتى أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، فكان جميع الأخبار الصادرة عنهم (عليهم السلام) ملقاة إلى الذين ارتكز في أذهانهم كونه إقامة الجمعة من خصائص الخلفاء والأمراء ولم يكن يخطر ببالهم جواز إقامة سائر الناس لها. فلو كان حكم الله ورأي الأئمة (عليهم السلام) على خلاف ذلك لكان يجب عليهم بيان ذلك وتكراره والإصرار عليه وإعلام أصحابهم بأنه يجب على جميع المسلمين السعي في إقامتها وأنها لا تختص ببعض دون بعض، كما استقر على ذلك سيرتهم (عليهم السلام) في جميع المسائل التي خالف فيها أهل الخلاف لأهل الحق كمسألتي العول والتعصيب ونحوهما. [١] وبالجملة لو لم يكن الإمام أو من نصبه شرطا في إقامة الجمعة وكانت إقامتها من وظائف جميع المسلمين لبينها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأوصياؤه وصارت من الصدر الأول كسائر الفرائض اليومية من ضروريات الدين بحيث يعرفها جميع المسلمين حتى النساء والصبيان، وكان سكان كل مصر أو قرية أو بادية يقيمونها في بلدتهم محلهم
[١] لقائل أن يقول: إنه إنما يجب على الأئمة (عليهم السلام) إعلام أصحابهم بما هو الحق والإصرار
عليه إذا كان ظهور الحق متوقفا على إعلامهم (عليهم السلام)، كما إذا اتفق إجماع فقهاء
المخالفين اتفاقهم على خلاف الحق، لا ما إذا لم يتفقوا بل أفتى بعضهم على وفق ما هو الحق.
وفي مسألتنا هذه وإن أفتى أبو حنيفة بالاشتراط وكون إقامة الجمعة من المناصب الخاصة
لكن جل فقهائهم كالشافعي ومالك وأحمد قد أفتوا بعدم الاشتراط، غاية الأمر أن الخلفاء
والأمراء قد ابتزوها وجعلوها من المناصب المختصة لأنفسهم ولم يتمكن غيرهم من
إقامتها خوفا منهم، ولأجل ذلك لم يكونوا يقيمونها في بلادهم، ولم يكن من وظائف
الأئمة (عليهم السلام) تعريض أنفسهم لمكافحة خلفاء الجور وأمرائهم مع كون الحق واضحا لأهله.
وبالجملة السيرة المدعاة لعلها نشأت من إجبار خلفاء الجور وعدم تمكن الناس من
مخالفتهم. هذا مضافا إلى أنه قد تنتقض هذه السيرة بالسيرة المستمرة في الجماعة، فإن
إقامتها في جميع الصلوات أيضا كان بتصدي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والخلفاء والأمراء وكان ينصبون
لها أشخاصا معينة، اللهم إلا أن يقال إنها أيضا كانت من المناصب الخاصة غاية الأمر أن
الأئمة (عليهم السلام) قد أذنوا لشيعتهم في إقامتها، فتأمل ح ع - م.