البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر - المنتظري، الشيخ حسين علي - الصفحة ٣٠٦
ترجيح أحد الخبرين موافقته للشهرة أو الكتاب أو مخالفته للعامة، والخبران في المقام متكافئان من هذه الجهات، إذ كلاهما مشهوران بين الأصحاب وقد أفتوا بمضمونهما بحيث يكشف بذلك صدورهما وجواز العمل بهما، وليس في الكتاب اسم من حد ترخص البلد حتى يحكم بموافقة أحد الخبرين له أو بمخالفته، والحكم باعتبار حد الترخص من متفردات الإمامية، وأما الجمهور فقد تسالموا تقريبا على ثبوت القصر بصرف الخروج من البلد [١]، فليس أحد الخبرين موافقا للعامة حتى يطرح لذلك.
فتعين الجمع أو التخيير الظاهري، وقد عرفت أن الجمع إذا كان جمعا عرفيا مقدم على التخيير، فيجب بيان طرق الجمع في المقام وقد عرفت أنها ثلاثة: ١ - التخيير الواقعي، نظير خصال الكفارة. ٢ - تقييد المنطوقين. ٣ - تقييد المفهومين: أما الأول فيرد عليه أن التخيير الواقعي إنما يتصور في الحكم التكليفي كوجوب إحدى الخصال ووجوب إنقاذ أحد الغريقين مثلا، وأما في التحديدات فلا يعقل ولا يتصور، اللهم إلا إن يقال برجوع التخيير بين الحدين في المقام إلى تخير المكلف بين القصر والإتمام في الصلوات التي يأتي بها بين الحدين. هذا. ولكن يرد عليه أيضا أنه ليس جمعا عرفيا، إذ المركوز في أذهان أصحابنا كان تعين القصر على المسافر في
[١] قال ابن رشد في البداية - ج ١ ص ١٤٥ - ما حاصله: " أن مالكا قال في الموطأ: لا
يقصر الصلاة الذي يريد السفر حتى يخرج من بيوت القرية، ولا يتم حتى يدخل أول
بيوتها، وقد روي عنه أنه لا يقصر إذا كانت قرية جامعة حتى يكون منها بنحو ثلاثة أميال،
وبالقول الأول قال الجمهور. "
ولكن في الخلاف - ج ١ ص ٥٧٢ - (المسألة ٣٢٤): " إذا نوى السفر لا يجوز أن يقصر
حتى يغيب عنه البنيان ويخفى عنه أذان مصره أو جدران بلده، وبه قال جميع الفقهاء. وقال
عطاء: إذا نوى السفر جاز له القصر وإن لم يفارق موضعه. "
ولا يخفى ما في النقلين من التهافت، فراجع. ح ع - م.