الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يعمل مرّة في السنة - السيّد بن طاووس - الصفحة ٣٤٣ - فصل ١ فيما نذكره من انفاذ النبي
يصلّون إلى المشرق ، فأراد الناس ان ينهوهم عن ذلك فكفّهم رسول الله ٦ ثم امهلهم وأمهلوه ثلاثا فلم يدعهم ولم يسألوه لينظروا إلى هديه ويعتبروا ما يشاهدون منه ممّا يجدون من صفته.
فلمّا كان بعد ثالثة دعاهم ٦ إلى الإسلام فقالوا : يا أبا القاسم ما أخبرتنا كتب الله عزّ وجلّ بشيء من صفة النبي المبعوث بعد الروح عيسى ٧ الاّ وقد تعرّفناه فيك الاّ خلّة هي أعظم الخلال آية ومنزلة وأجلاها امارة ودلالة.
قال ٦ : وما هي؟ قالوا : انّا نجد في الإنجيل من صفة النبي الغابر [١] من بعد المسيح انّه يصدّق به ويؤمن به وأنت تسبّه وتكذّب به وتزعم انّه عبد ، قال : فلم تكن خصومتهم ولا منازعتهم للنبي ٦ إلاّ في عيسى ٧.
فقال النبي ٦ : لا ، بل أصدّقه واصدّق به وأومن به وأشهد أنّه النبي المرسل من ربّه عزّ وجلّ وأقول : انه عبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، قالوا : وهل يستطيع العبد ان يفعل ما كان يفعل وهل جاءت الأنبياء بما جاء به من القدرة القاهرة ألم يكن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص وينبئهم بما يكنون [٢] في صدورهم وما يدّخرون في بيوتهم ، فهل يستطيع هذا الاّ الله عزّ وجلّ أو ابن الله ، وقالوا في الغلوّ فيه وأكثروا ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؟
فقال ٦ : قد كان عيسى أخي كما قلتم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخبر قومه بما في نفوسهم وبما يدّخرون في بيوتهم ، وكلّ ذلك باذن الله عزّ وجلّ وهو الله عزّ وجلّ عبد وذلك عليه غير عار وهو منه غير مستنكف ، فقد كان لحما ودما وشعرا وعظما وعصبا وأمشاجا [٣] يأكل الطعام ويظمئ وينصبّ باربه [٤] وربّه
[١] الغابر : الماضي والباقي.
[٢] كننت الشيء : سترته ، وأكننته في نفس : أسررته.
[٣] الأمشاج : الأخلاط.
[٤] ينصب باربه : يتعقب بسبب حاجته ، ويمكن ان يكون كناية عن الذهاب إلى الخلاء.