الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يعمل مرّة في السنة - السيّد بن طاووس - الصفحة ٣١٦ - فصل ١ فيما نذكره من انفاذ النبي
تتهافت دخولا في دينكم ، ثم لتعظمنّ بيعتكم هذه ، ولتشرفنّ ، حتّى تصير كالكعبة المحجوجة [١] بتهامة ، هذا الرأي فانتهزوه [٢] ، فلا رأي لكم بعده.
فأعجب القوم كلام جهير بن سراقة ، ووقع منهم كلّ موقع ، فكاد أن يتفرّقوا على العمل به ، وكان فيهم رجل من ربيعة بن نزار من بني قيس بن ثعلبة ، يدعى حارثة بن أثال على دين المسيح ٧ ، فقام حارثة على قدميه وأقبل على جهير ، وقال متمثّلا :
| متى ما تقد بالباطل الحق بابه | وان قلت بالحقّ الرّواسي ينقد | |
| إذا ما أتيت الأمر من غير بابه | ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتد |
ثمّ استقبل السيد والعاقب والقسّيسين والرّهبان وكافّة نصارى نجران بوجهه لم تخلط معهم غيرهم ، فقال [٣] : سمعا سمعا يا أبناء الحكمة وبقايا حملة الحجّة ، انّ السعيد والله من نفعته الموعظة ولم يعش [٤] عن التذكرة ، ألا وانّي أنذركم وأذكّركم قول مسيح الله عزّ وجلّ ـ ثم شرح وصيّته ونصّه على وصيّه شمعون بن يوحنّا وما يحدث على أمّته من الافتراق.
ثم ذكر عيسى ٧ وقال : انّ الله جلّ جلاله أوحى إليه : فخذ يا بن أمتي كتابي بقوّة ثم فسّره لأهل سوريا بلسانهم ، وأخبرهم انّي انا الله لا إله إلاّ أنا ، الحيّ القيوم البديع الدائم الّذي لا أحول ولا أزول ، انّي بعثت رسلي ونزلت كتبي رحمة ونورا عصمة لخلقي ، ثمّ انّي باعث بذلك نجيب رسالتي ، أحمد صفوتي من برّيتي البار قليطا عبدي أرسله في خلوّ من الزمان ، ابعثه بمولده فاران من مقام أبيه إبراهيم ٧ ، انزل عليه توراة حديثة ، افتح بها أعينا عميا ، وإذنا صمّا ، وقلوبا غلفا [٥] ، طوبى لمن شهد أيّامه وسمع كلامه ، فآمن به واتّبع النّور الّذي جاء به ، فإذا ذكرت يا عيسى ذلك النّبي
[١] حجّ : قصد.
[٢] انتهزوه : اغتنموه.
[٣] يعني حارثة.
[٤] عشوت إلى النار : إذا استدللت إليها بسير ضعيف ، وإذا صدرت عنه إلى غيره قلت : عشوت عنه.
[٥] الأغلف ج غلف : الذي لا يعي شيئا.