الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يعمل مرّة في السنة - السيّد بن طاووس - الصفحة ١٠٣ - ذكر دعاء اخر لعلي بن الحسين
اثْنِي عَلَيْكَ يا سَيِّدِي وَما عَسى أَنْ يَبْلُغَ فِي مِدْحَتِكَ ثَنائِي مَعَ قِلَّةِ عِلْمِي وَقِصَرِ رَأْيِي ، وَأَنْتَ يا رَبِّ الْخالِقُ وَأَنَا الْمَخْلُوقُ ، وَأَنْتَ الْمالِكُ وَأَنَا الْمَمْلُوكُ ، وَأَنْتَ الرَّبُّ وَأَنَا الْعَبْدُ ، وَأَنْتَ الْغَنِيُّ وَأَنَا الْفَقِيرُ ، وَأَنْتَ الْمُعْطِي وَأَنَا السَّائِلُ ، وَأَنْتَ الْغَفُورُ وَأَنَا الْخاطِئُ ، وَأَنْتَ الْحَيُّ لا تَمُوتُ ، وَأَنَا خَلْقٌ أَمُوتُ.
يا مَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ وَدَبَّرَ الأُمُورَ ، فَلَمْ يُقايِس شَيْئاً بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ ، وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلى خَلْقِهِ بِغَيْرِهِ.
ثُمَّ أَمْضَى الأُمُورَ عَلى قَضائِهِ وَأَجَّلَها إِلى أَجَلٍ مُسَمّى ، قَضى فِيها بِعَدْلِهِ ، وَعَدَلَ فِيها بِفَضْلِهِ ، وَفَصَلَ فِيها بِحُكْمِهِ ، وَحَكَمَ فِيها بِعَدْلِهِ ، وَعَلِمَها بِحِفْظِهِ ، ثُمَّ جَعَلَ مُنْتَهاها إِلى مَشِيَّتِهِ ، وَمُسْتَقَرَّها إِلى مَحَبَّتِهِ ، وَمَواقِيتَها إِلى قَضائِهِ.
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ، وَلا رادَّ لِقَضائِهِ ، وَلا مُسْتَزاحَ عَنْ أَمْرِهِ ، وَلا مَحِيصَ [١] لِقَدَرِهِ ، وَلا خُلْفَ لِوَعْدِهِ ، وَلا مُتَخَلِّفَ عَنْ دَعْوَتِهِ ، وَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ طَلبَهُ ، وَلا يَمْتَنِعُ مِنْهُ أَحَدٌ أَرادَهُ ، وَلا يَعْظُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَعَلَهُ ، وَلا يَكْبُرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ صَنَعَهُ ، وَلا يَزِيدُ فِي سُلْطانِهِ طاعَةُ مُطِيعٍ ، وَلا يَنْقُصُهُ مَعْصِيَةُ عاصٍ ، وَلا يَتَبَدَّلُ الْقولُ لَدَيْهِ ، وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً.
الَّذِي مَلَكَ الْمُلُوكُ بِقُدْرَتِهِ ، وَاسْتَعْبَدَ الْأَرْبابُ بِعِزِّةِ [٢] ، وَسادَ الْعُظَماءُ بِجُودِهِ ، وَعَلَا السَّادَةُ بِمَجْدِهِ ، وَانْهَدَّتِ [٣] الْمُلُوكُ لِهَيْبَتِهِ ، وَعَلا أَهْلُ السُّلْطانِ بِسُلْطانِهِ وَرُبُوبيَّتِهِ ، وَأَبادَ [٤] الْجَبابِرَةُ بِقَهْرِهِ ، وَأَذَلَّ الْعُظَماءُ بِعِزِّةِ ، وَأَسَّسَ الأُمُورَ بِقُدْرَتِهِ ، وَنَبَا الْمَعالِيَ بِسُؤْدَدِهِ [٥] ، وَتَمَجَّدَ بِفَخْرِهِ ، وَفَخَرَ بِعِزِّةِ ، وَعَزَّ بِجَبَرُوتِهِ ، وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ بِرَحْمَتِهِ.
إِيَّاكَ أَدْعُو ، وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ ، وَمِنْكَ أَطْلُبُ ، وَإِلَيْكَ أَرْغَبُ ، يا غايَةَ
[١] لا محيص : لا مفرّ.
[٢] بعزته ( خ ل ).
[٣] انهدت : انحطت وانكسرت.
[٤] اباد : أهلك.
[٥] السؤدد : الرفعة والشرف.