حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٨٤ - ذكر كتاب رسول الله
عبد الرحمن بن حسّان ؛ ويقال : بل وهبها لمحمد بن مسلمة الأنصاريّ ، ويقال : بل لدحية بن خليفة الكلبيّ.
ثمّ أخرج من طريق المنذر بن عبيد ، عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت ، عن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت ، عن أمّه سيرين ، قال : حضرت موت إبراهيم ، فرأيت رسول الله ٦ كلّما صحت أنا وأختي ما ينهانا ؛ فلمّا ماتت نهانا عن الصيّاح. هذا يصحّح قول من قال إنّه وهبها لحسّان.
وقال ابن عبد الحكم : أنبأنا هانىء بن المتوكّل ، أنبأنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، أنّ المقوقس لمّا أتاه كتاب رسول الله ٦ ضمّه إلى صدره ، وقال : هذا زمان يخرج فيه النبيّ الذي نجد نعته وصفته في كتاب الله ، وإنّا لنجد صفته أنّه لا يجمع بين أختين في ملك يمين ولا نكاح ، وأنّه يقبل الهديّة ، ولا يقبل الصّدقة ، وأنّ جلساءه المساكين ، وأنّ خاتم النبوّة بين كتفيه. ثمّ دعا رجلا عاقلا ، ثمّ لم يدع بمصر أحسن ولا أجمل من مارية وأختها ؛ وهما من أهل حفن [١] من كورة أنصنا [٢]. فبعث بهما معه إلى رسول الله ٦ ، وأهدى له بغلة شهباء ، وحمارا أشهب ، وثيابا من قباطيّ مصر ، وعسلا من عسل بنها ، وبعث إليه بمال صدقة ، وأمر رسوله أن ينظر : من جلساؤه وينظر إلى ظهره ، هل يرى شامة كبيرة ذات شعر؟ ففعل ذلك الرّسول ؛ فلمّا قدم على رسول الله ٦ قدّم إليه الأختين والدّابّتين والعسل والثياب ، وأعلمه أنّ ذلك كلّه هديّة. فقبل رسول الله ٦ الهديّة ـ وكان لا يردّها من أحد من النّاس ـ فلمّا نظر إلى مارية وأختها أعجبتاه ، وكره أن يجمع بينهما ، وكانت إحداهما تشبه الأخرى ، فقال : اللهمّ اختر لنبيّك ، فاختار له الله مارية ، وذلك أنّه قال لهما : قولا نشهد أنّ لا إله إلا الله وأنّ محمدا عبده ورسوله ، فبادرت مارية ، فتشهّدت وآمنت قبل أختها ، ومكثت بعدها أختها ساعة ، ثمّ تشهّدت وآمنت ، فوهب رسول الله ٦ أختها لمحمد بن مسلمة الأنصاريّ : وكانت البغلة والحمار أحبّ دوابه إليه ، وسمّى البغلة دلدلا ، وسمّى الحمار يعفورا ، وأعجبه العسل ، فدعا لعسل بنها بالبركة ، وبقيت تلك الثياب حتّى كفّن في بعضها ٦.
قال ابن عبد الحكم : ويقال إنّ المقوقس بعث مع مارية بخصيّ ، فكان يأوي إليها.
[١] في معجم البلدان : حفن من قرى الصعيد ، وقيل : ناحية من نواحي مصر ، وفي الحديث : أهدى المقوقس إلى النبي ٦ مارية من حفن من رستاق أنصنا.
[٢] في معجم البلدان : أنصنا مدينة أزلية من نواحي الصعيد على شرقي النيل.