الدّرّة الثّمينة في أخبار المدينة - أبي عبد الله محمّد بن محمود بن النجّار البغدادي - الصفحة ٣٦ - الباب الثّالث في ذكر هجرة النبي
له رسول الله ٦ : «على رسلك ، فإنّي أرجو أن يؤذن لي» ، فقال له أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال : «نعم» ، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ٦ ليصحبه ، وعلف راحلتين كانتا عنده الخبط أربعة أشهر.
قالت عائشة رضياللهعنها : بينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة ، فقال قائل لأبي بكر رضياللهعنه : هذا رسول الله ٦ مقبلا متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها ، قال أبو بكر رضياللهعنه : فدا له أبي وأمي ، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت : فجاء رسول الله ٦ فاستأذن ، فأذن له ، فدخل فقال النبي ٦ لأبي بكر : أخرج من عندك ، فقال أبو بكر رضياللهعنه : إنما هم أهلك ـ بأبي أنت يا رسول الله ـ قال : فإني قد أذن لي في الخروج ، فقال أبو بكر رضياللهعنه : فالصّحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، قال رسول الله ٦ : «نعم» ، قال أبو بكر رضياللهعنه : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، خذ إحدى راحلتي هاتين ، قال رسول الله : «بالثمن».
قالت عائشة رضياللهعنها : فجهزناهما أحثّ الجهاز ، ووضعنا لهما سفرة في جراب ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب ، فقال رسول الله ٦ : «إن لها به نطاقين في الجنّة» ، فبذلك سميت «ذات النطاقين».
قالت : ثم لحق رسول الله ٦ بغار في جبل ثور ، فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب لقن ثقف ، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع أمرا يكادان به إلّا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من لبن ، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء ، فيبيتان في رسل حتى ينعق بها عامر بغلس. يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله ٦ وأبو بكر رجلا من بني الدّئل هاديا ماهرا بالهداية ـ وهو على دين كفار قريش ـ فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما ، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ، وانطلق معهما عامر بن