الدّرّة الثّمينة في أخبار المدينة - أبي عبد الله محمّد بن محمود بن النجّار البغدادي - الصفحة ٣٨ - الباب الثّالث في ذكر هجرة النبي
أطما من آطامهم لأمر ينظر إليه ، فبصر برسول الله ٦ وأصحابه مبيضين ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا معشر العرب! هذا جدّكم الذي تنتظرونه ، فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله ٦ بظهر الحرة ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف ، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ، فقام أبو بكر رضياللهعنه للناس وجلس رسول الله ٦ صامتا ، فطفق من جاء من الأنصار ممن آمن برسول الله ٦ يحيّي أبا بكر رضياللهعنه حتى أصابت الشمس رسول الله ٦ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه ، فعرف الناس رسول الله ٦ عند ذلك.
ولما أقبل النبي ٦ إلى المدينة ، كان مردفا لأبي بكر رضياللهعنه وأبو بكر شيخ يعرف ، ونبي الله شاب لا يعرف ، قال : فيلقى الرجل أبا بكر فيقول : يا أبا بكر ، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول : هذا الرجل الذي يهديني السبيل ، فيحسب الحاسب أنه يعني الطريق ، وإنما يعني سبيل الخير.
ولبث رسول الله ٦ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة ، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلّى فيه ، ثم ركب راحلته فصار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله ٦ بالمدينة ، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين ، وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة.
فقال رسول الله ٦ حين بركت به راحلته : هذه إن شاء الله المنزل ، ثم دعا رسول الله ٦ بالغلامين ، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا.
فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله ، فأبى رسول الله ٦ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا.
وعن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة قال : لما نزل رسول الله ٦ على كلثوم بن الهدم ، وصاح كلثوم بغلام له ؛ يا نجيح ، فقال رسول الله ٦ : أنجحت يا أبا بكر [١].
[١] في «الوفاء» للسمهودي ١ / ٢٤٥ ، ذكر بعد قول النبي ٦ : «أنجحت يا أبا بكر» ، فقال :