الجامع اللطيف - ابن ظهيرة - الصفحة ٢٣٠
ثم أعتقت فمكثت ثلاثة أيام لا أجد شيئا آكله ، فانطلقت إلى زمزم فبركت على ركبتى مخافة أن أستقى وأنا قائم فيرفعنى الدلو من الجهد ، فجعلت أنزع قليلا قليلا حتى أخرجت الدلو ، فشربت فإذا أنا بصريف اللبن فقلت : لعلّى ناعس ، فضربت بالماء على وجهى وانطلقت وأنا أجد قوة اللبن وشبعه [١]. ومعنى صريف اللبن : ساعة يصرف عن الضرع.
ومنها ما أخرجه أيضا عن بعض الرعاة من العباد أنه كان إذا حصل له ظمأ وشرب من زمزم وجد الماء لبنا ، وإذا أراد أن يتوضأ وجده ماء [٢].
ومنها ما ذكره الفاسى عن الفاكهى أن رجلا شرب سويقا وكان فى السويق إبرة ، فنزلت فى حلق الرجل واعترضت ، وصار لا يقدر يطبق فمه ، فأتاه آت فقال له : اذهب إلى ماء زمزم ، فاشرب منه واسأل الله الشفاء. فدخل إلى زمزم فشرب منه شيئا وما أساغه إلا بعد جهد ومشقة من ألم تلك الإبرة ثم خرج وهو على تلك الحال ، فانتهى إلى أسطوانة من أساطين المسجد واستند إليها فغلبته عيناه فنام ثم انتبه من نومه ولم يجد من ذلك الألم شيئا [٣].
ومنها أن الشيخ العلامة المفتى أبا بكر عمر الشهير بالشنينى ـ بشين معجمة ونون ثم مثناة من تحت ونون وياء النسبة ـ أحد بنى العلماء المعتبرين ببلاد اليمن ، حصل له استسقاء عظيم واشتد به فذهب إلى طبيب فلما رآه أعرض عنه ، وقال لبعض أصحابه : هذا ما يمكث ثلاثة أيام فانكسر خاطره لذلك ، وألقى الله بباله أن يشرب من ماء زمزم بنية الشفاء عملا بالحديث ، فقصد زمزم وشرب منه حتى تضلع فأحس بانقطاع شىء فى جوفه ، فبادر حتى وصل إلى رباط السدرة الذى هو الآن مدرسة السلطان قايتباى ; فأسهل إسهالا كثيرا ثم عاد إلى زمزم وشرب منها ثانيا حتى امتلأ ريّا ، ثم أسهل إسهالا بليغا فشفاه الله من ذلك الاستسقاء. فبينما هو فى بعض الأيام برباط ربيع يغسل ثوبه وإذا بالطبيب الذى أعرض عن ملاطفته قد رآه ، فقال له : أنت صاحب تلك العلة؟ قال : نعم فقال له: بم تداويت؟ فقال : بماء زمزم ، فقال الطبيب : لطف بك [٤].
[١] أخبار مكة للأزرقى ج ٢ ص ٥٣.
[٢] أخبار مكة للأزرقى ج ٢ ص ٥٤.
[٣] شفاء الغرام ج ١ ص ٤٠٩.
[٤] شفاء الغرام ج ١ ص ٤١٠.