السعادة كيف نجدها؟ - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨ - فوارق تفصيلية
٨- من يفقد السعادة بالمعنى الثاني، يبقى شعوره بالنقص دائماً وإن تبذخت بيده الحياة، ونُعم ملمسها من جانبها المادي في إحساسه، لأنّه لا يجد فيها الكفالة التامّة والقدرة على درأ المحذور، ولأنّه كلّما وجد أن ما يملأ يديه من دنياه شيء غيره، وأنه عظمة مُفارقة، عاد إلى نفسه فلم يجد منها ما يثري شعوره ويعزّزه بقيمتها، ويمدُّه بالثقة والاطمئنان، وما يبقيه كبيراً في ذاته مفصولًا عمّا أقام خارجه من بناءات على أرض وفي فضاء، ومفصولًا عن بُنية جسمه وفعّالياته المرتبطة ببقاء هذه البُنية وحاجات استمرارها.
ففقد السموّ الذاتي والسعادة المرتبطة به لا يعوّض عن فراغاته الهائلة في الذات، ولا يسدُّ النقص المترتّب عليه، والجوعات الناتجة عنه في أعماق الشعور، كبير ما في يد الإنسان من متاع الحياة وزينتها وفتنتها، وكل ذلك لا يطامن من قلقه المستقبلي، الذي يفرض نفسه عليه مهما حاول أن ينسى المستقبل أو يجحده من الأساس.
بينما تعالج السعادة النابعة من سموّ الذات باتّصالها بمصدر العطاء الكثير من مشكلات الفقد المادي ومعاناته، فإن قليل المادة كثير في النظر الذي لا يركّز على الشهوات، وإن درجة التحمّل للنفوس التي ارتقت في ذاتها يصغر معها الكثير من الأزمات التي تثقل نفوساً من أهل التراب. وكثير مما يعدّه أهل الأرض ضرورة، ويمثّل