رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٦ - تمهيد

ورؤيا يوحنّا[١]، وها أنت وكلّ أحد لا تحسّ لذلك همساً، ولا تسمع له حسيساً.
فإن توهّم «حسن الإيجاز» أن قد جاءوا بمثله واختفى علينا فقد أخطأ وجدانه، كيف وإنّهم أهل السلطة والكثرة القاهرة، وحاجتهم إلى ذلك أشدّ من حاجتهم إلى حفظ شعر امرئ القيس وغيره من الشعراء، فكيف يأتون بمثل هذا القرآن ويضيّعونه ولم يضيّعوا المعلّقات السبع التي علّقوها بالكعبة إعجاباً بها، فلمّا جاء القرآن أنزلوها استحقاراً لها في جنب جلالته كما حفظ ذلك لنا التاريخ؟!
وحينئذ فاعتراف أهل اللسان بإعجاز القرآن حسبما دلّ عليه الوجدان أوضح دليل على إعجازه، ومن لم يكن من أهل اللسان فهو عاجز عن إدراك ذلك فلا ينبغي له الخوض فيه، بل يلزم عليه أن يتّبع أهل اللسان، ولا يبقى هالكاً في ورطة الجهل، أعاذنا اللََّه منه، ومن الجهل بأنّا جاهلون، واللََّه الهادي إلى سواء السبيل.
ومن ظرائف الشواهد[٢] أنّ بعض المولّدين والدخلاء في اللغة العربية في أواخر القرن الثاني وما بعده من نزول القرآن، أرادوا أن يعرفوا علم القرآن ويتعلّموا منه مجاري البلاغة وأسرار اللغة العربية وفذلكاتها في الكلام، فوقف بهم التعلّم في بعض الموارد على عقبات الجهل والشكّ، فجاء بعض النصارى، كهاشم المتعرّب‌[٣] وغيره، فجعلوا تلك الشكوك والجهالات انتقادات على القرآن، فزادوا على الجهل جهلاً آخر.

[١] هو من جملة الكتب الإلهامية عند النصارى.
[٢]أي من الشواهد على ما قلنا: ومن لم يكن من أهل اللسان فهو عاجز... .
[٣]اسمه هاشم العربي، اُطلق عليه «المتعرّب» لعدم اطّلاعه على القواعد العربية.