رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥ - تمهيد

والمصلح التاريخي، والنبي المتعرّض للغيب، فيوفّي كلّ حقيقة حقّها على النحو الباهر، مع الاستقامة في المسلك، والاطّراد في المجرى، والانسجام في البيان.
وعلموا أنّه لا يجدي في المعارضة خيالياتهم في الغزل والنسيب، والمدح والحماسة، بل لابدّ أن يخوضوا في مواضيع القرآن الكريم من الحقائق خوضاً ابتدائياً، لا اتّباعاً تقليدياً.
فأقعدهم عرفانهم لذلك مقعد العجز، وأوقفهم موقف الحيرة، فاحتملوا ما احتملوا من البلاء، إذ لم يجدوا لما دعاهم إليه من النصفة سبيلاً، فبان منهم العجز عن ذلك، وظهر عند القاصي والداني إعجاز القرآن، وأنّه خارج عن طوق البشر.
ولو كان من ذلك شي‌ء يرضونه أو يتوهّمون لياقته للحجّة ورواجه في سوق المحاكمة لرفعوه علماً للاحتجاج، وأنطقوه مستصرخاً للانتصار، وصارخاً في الأقطار بالظليمة، وداعياً إلى المحاكمة، وللهجت به الأندية[١]، وعجّت بنشيده أسواق العرب، وسارت به الركبان، ودوّنت به الدفاتر، وتعنونت باسمه الحروب والمنافرات، ولكثر له الأعوان والمحامون‌[٢] والمدّعون، ولضجّت به اليهود والنصارى في جزيرة العرب وفلسطين وسوريا، فكان لهم أشهى حديث يؤثر وأجلّ سيرة تسجّل، ولكان أقرّ لعيونهم في التاريخ من أحاديث شمشون‌[٣] ومجلّة استير[٤]

[١] الأندية: جمع النادي، بمعنى المجلس.
[٢]المحامي: هو الوكيل في المحاكمة.
[٣]هو الإصحاح (الفصل) الرابع عشر من سفر القضاة من العهد القديم الذي ينسبه اليهود والنصارى إلى الإلهام.
[٤]استير: أحد أسفار العهد القديم، استعير له اسم المجلّة مشابهةً.