رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ١١ - الأمر الرابع
الأمر الرابع
قال صاحب «حسن الإيجاز»: إنّه يمكن عقلاً أن يأتي إنسان بأفصح العبارات، وأبلغها وأحسنها نظماً، وهي تحكم بأنّ اللََّه شرّير، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فهل يصدّق قائلها إذا اتّخذ ذلك دليلاً على أنّ عباراته من وحي اللََّه؟! وإلّا فما الدليل على أنّ ذلك محال؟!
فإن قيل: إنّ نسبة الشرّ إليه تعالى دليل على بطلان أنّها وحي اللََّه.
قلنا: إنّ كثيرين من أهل الأديان نسبوا أمثال ذلك إليه تعالى. انتهى محلّ الحاجة.
أقول: لا لوم على هذا الرجل إذا لم يعرف معنى البلاغة، فتوهّم لنفسه أنّها عبارة عن تزويق الألفاظ، وإن كان معناها فاسداً قبيحاً في مورده، ومن تقحّم مثل تقحّمه جدير بأن لا يعرف أنّ البلاغة التي بها يعلو قدر الكلام ويتفاخر إنّما هي مطابقته لمقتضى الحال، كما ذكرناه في التمهيد[١]. ألا وإنّ العبارات التي تحكم بأنّ اللََّه شرّير لتخسأ، وتذلّ عن أن يدنّس بها اسم البلاغة ومعناها.
ألا ترى أنّ كاتب التوراة الرائجة لمّا لم تكن عنده حقيقة القصّة في أكل آدم وحوّاء من الشجرة التي نهاهما اللََّه عنها، وأراد أن يصوّرها كشاعر خيالي، فإنّه مهما تأنّق في تزويق عباراتها وتنميق[٢] محاوراتها جاء بها شنعاء شوهاء، تشوّهت
[١] في ص٤.
[٢]التنميق: التزيين.