رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٣ - الأمر الرابع

ولو ذكرت هاتان القصّتان لاُناس مجهولين في رومان يمثّل غرام‌[١] فلسطين‌[٢] لكان لها حظّ في خياليات الغرام ورقّة الغزل، وقد تركنا من نحو ذلك في العهدين أمثالاً كثيرة.
وها فانظر إلى كلام القرآن الكريم في جميع موارده وفنونه المختلفة، وانظر إلى براعته فيها، وبلاغته المعجزة بمطابقته لمقتضى الحال.
وإنّ صدور هذه المقامات الثلاثة وأمثالها الكثيرة من كتبة العهدين الرائجين لأدلّ دليل على كذب أُولئك الكتبة.
وإنّ استنادنا في صدق الرسول إلى القرآن لهو من جهات شتّى منها: الجهة العامّة لمعاصريه من العرب، وهي براعة كلامه في مطابقة مقتضى حقيقة الحال التي يتكلّم بها في فنونه الراقية، مع تحدّيه لهم بمعارضته وفصل القضاء لهم بذلك وعجزهم عن معارضة قليل منه بمثل كرامته، مع أنّهم من أهل اللسان والبيان بحيث يكشف ذلك عن كونه عن مصدر إلهي وعناية خاصّة بالرسول.
وثانياً: ما هو المحصّل المعقول من جوابه في قوله: «فإن قيل، قلنا»، فهل تراه يزعم أنّه إذا كان كثير من أهل الأديان يزعمون أنّ اللََّه شرّير - تعالى شأنه - فإنّه يدلّ على أنّ ذلك حقيقة راهنة[٣] تدلّ على صدق المتنبّئ بهذا الزعم، ولا تدلّ على بطلان زعمه بأنّه وحي إلهي؟! أو تقول: إنّه قال ذلك ولم يدر ماذا قال، ولذا سمّى كتابه «حسن الإيجاز»؟!
وثالثاً: لا شبهة في أنّ مدّعي النبوّة لابدّ وأن لا يكون فيه الموانع التي يحكم‌

[١] الغرام: العشق.
[٢]ذكر فلسطين إشارة إلى وطن المسيح (عليه السلام).
[٣]راهنة: أي ثابتة.