رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٥ - الأمر الخامس

فضل اللََّه على الإنسان بنعمة المعرفة والعلم الذي هو الحياة الكاملة، والتنبيه على أنّ نوع الإنسان هل يلتفت إلى عدمه وجهله وشرفه بعد ذلك بنعمة الوجود والعلم فيتواضع للعرفان والصلاح، ويختار الهدى على الضلال؟ (كَلّا)[١] بل يتغاضى بغيّه عن ذلك، ويتناساه (وَيَطْغَى أَنْ رَآهُ) بوهمه (اسْتَغْنَى) وهو الفقير في جميع أحواله وكفى بذلك موعظة وتوبيخاً يستلفت الحرّ إلى رشده.
ولكنّ القرآن زاد في لطف الإرشاد وتعليم المعارف، فهدّد الإنسان المتمرّد بأنّه إن لم يتّعظ بما ذكر، بل اغترّ بتمتّعه بالنعم في زمان المهلة القصير في هذه الحياة (فإِنَّ إِلَى اللََّهِ الرُّجْعَى) في يوم الحساب والنكال.
ثمّ ترقّى بالتوبيخ للإنسان على سفاهة ضلاله، بالإشارة إلى ما يشاهد من سفاهته الفاضحة، وأنّه لم يكتف بغواية نفسه، بل ينهى غيره عن الصلاة التي هي رابطة الصلاح ومظهر المعرفة، فكم ترى في هذا الإنسان من الخسّة والسفاهة! وكيف تراه في الكمال والمعرفة والسداد (إن كان على الهدى) أو ترقى لإرشاد غيره (وأمر بالتقوى) التي بها نظام الدين والدنيا.
ثمّ ترقّى بالتوبيخ للإنسان على استرساله وتهوّره في الغيّ، وقال: كيف تراه مع وضوح ما ذكر من الحجج الساطعة (أن كذّب) بعناده (وتولّى) بتمرّده؟!
وانظر إلى الجمل الباقية الفاضلة في المضامين العالية، ثمّ انظر إلى انتظام جمل السورة بأجمعها في سلك إصلاح الإنسان بالامتنان بالنعم، وموعظته وتوبيخه وإنذاره وتهديده والتحذير منه.
وأظنّ أنّ تعصّب «حسن الإيجاز» لا يدعه يفهم ذلك لكي يصدّق به، فإنّ داء التعصّب عضال.

[١] هذه الكلمة وغيرها ممّا يأتي بين قوسين وردت لفظاً أو معنىً في سورة العلق ٩٦: ٦-٨ ١١-١٣.