رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٩ - الأمر الخامس

يتسابقون إلى نيله حسب إعطاء المهمّ حقّه من البيان.
ولأجل أنّ الشواهد على ذلك كثيرة فالأولى بهذا المختصر أن يحيل بيان بعضها على الجزء الأوّل من كتاب «الهدى»[١]، وقد ذكر في أثنائها ما جاء في العهدين - وخصوص الأناجيل - من بعض التكرار الكثير.
ومن جملة ذلك أنّه تكرّر في المزمور المائة والسادس والثلاثين ستّاً وعشرين مرّة قوله: «لأنّ إلى الأبد رحمته»[٢] وذلك لأنّ المزامير ناظرة باُسلوبها إلى مقام البلاغة، مع أنّ المزمور المذكور لا يبلغ نصف سورة «الرحمن»!
ومن ذلك تعرف حال «حسن الإيجاز» في أدبه وقوله الساقط: «والخلاصة أنّه ليس في كتاب مثل ما في القرآن من التكرار» ولعلّ ذلك لأنّ كتب وحيه ليس لها عنده قيمة تستحقّ بها أن ينظر إليها ويعرف ما فيها، فراجع كتاب «الهدى» فيما ذكرناه.
وإن كان المعترض يتعرّض لتكرار القرآن لقصصه، فهل يخفى على ذي المعرفة محلّ ذلك من البراعة والبلاغة، وبيان القدرة على إيراد القصّة حسب مناسباتها بعبارات مختلفة كلّها راقية في مقامها، من دون تناقض ولا اختلاف جوهري ؛ لا كما وقع في الأناجيل من التناقض والاختلاف الجوهري الكبير الكثير في قصصها التي تكرّرت فيها، مع أنّ كلّ واحد من الأناجيل لا يبلغ مقدار مجلّة شهرية.
وكذا التوراة حيث تعرّضت لمراحل بني إسرائيل، فذكرتها في الثالث‌

[١] الهدى إلى دين المصطفى (ط دار الكتب الإسلامية) ١: ٣٩٠-٣٩٦.
[٢]الكتاب المقدّس (العهد القديم): ٩٢٨ / المزمور ١٣٦ من سفر المزامير.