رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٣ - الأمر الخامس

إلّا من كان في أعلى مراتب العقل والإيمان.
ومن ذلك تعرف شطط قوله: «لأنّ قوله: (الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ) أولى منها لتقدّمها، ونفع الوفاء بالعهد ليس بأقلّ من نفع الصبر».
ومنه تعرف‌ سقوط اعتراضه على نصب (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ)[١]، مع أنّ النصب على الذمّ يساوق النصب على المدح عند البلغاء في فوائده.
وكذا قوله: «إذ (امْرَأَتَهُ) أولى بذلك النصب من (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ)» إذ لم يشعر أنّ الذمّ في نفس هذا الوصف والتوصيف، لا في كونها امرأته.
ومنه ما توهّم‌ من رفع المنصوب في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِونَ وَالنَّصَارَى) الآية[٢].
والجواب: أنّ عطف المرفوع على منصوب (إِنَّ) ممّا لا يمكن إنكار جوازه بشواهده المحفوظة في اللغة العربية[٣].
نعم، مقتضى البلاغة أن يكون تغيير الاُسلوب لنكتة، والنكتة في الآية هي الإشارة إلى أنّ الصابئين وإن كانوا أشدّ بعداً من التوحيد الحقيقي إلّاأنّهم مشتركون مع اليهود والنصارى في أنّ من آمن منهم وعمل صالحاً فهو آمن.
على أنّ من المعلوم أنّ النبي (صلّى اللََّه عليه وآله) كان من العرب الذين يُستشهد بكلامهم على صحّة التركيب العربي، وأنّه أعرف بالعربية من الشعراء المولّدين الذين يُستشهد بكلامهم على ذلك، فلو لم يكن كلامه وحياً من اللََّه فلابدّ أن نحكم‌

[١] المسد ١١١: ٤.
[٢]المائدة ٥: ٦٩.
[٣]راجع منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل ١: ٣٧٦ (تأليف محمّد محي الدين عبدالحميد).