رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٢ - الأمر الخامس

(الرَّحِيِِمِ)[١] قال: «فإنّ الكلام موجب، فيقتضي تقديم أدنى الوصفين للترقّي من الأدنى إلى الأعلى».
والجواب: أنّ صيغة «فعلان» وإن كانت للمبالغة، إلّاأنّ في صيغة «فعيل» ما ليس فيها، وهو الدلالة على كون الوصف ذاتياً للموصوف، كالعليم والقدير.
ومنه ما توهّم‌ من تأخير ما يقتضي الحال تقديمه في قوله تعالى: (لَاتَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ)[٢] قال: «والمقتضى: نوم ولا سنة، للتدلّي من الأعلى إلى الأدنى».
والجواب: أنّ مقتضى الحال هو تقديم السِنة على النوم دون العكس، وإن كان الكلام نفياً، لأنّ الأخذ بمعنى الغلبة، فالمناسب في الاستقصاء أن تنفي أوّلاً غلبة الضعيف وهي السِنة، ثمّ تنفي غلبة القويّ وهو النوم، دون العكس، كما لا يخفى على غير البسطاء، كما تقول: لا يغلبك عشرة رجال ولا مائة، فإنّه لو قدّم المائة التي هي المرتبة العليا لزم التكرار والزيادة في ذكر العشرة التي هي المرتبة السفلى.
ومنه ما توهّم‌ اللحن من نصب المرفوع في قوله تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ)[٣].
والجواب: أنّ النصب على المدح شائع معروف في اللغة العربية، وقد صرّح بذلك جملة من أهل الأدب‌[٤]، وترجيح (الصَّابِرِينَ) في الآية على قوله: (الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ) من جهة أنّ الوفاء بالعهد - مع كونه حسناً - يعمّ جميع أصناف الرجال مع اختلافهم من حيث النقص والكمال، وأمّا الصبر - المذكور في الآية - فلا يتّصف به‌

[١] الفاتحة ١: ٣.
[٢]البقرة ٢: ٢٥٥.
[٣]البقرة ٢: ١٧٧.
[٤]راجع مجمع البيان (ط مؤسّسة الهدى) ٢: ٦.