دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٧٦ - ٢ ـ يوسف وإخوته في مصر
دفعوه من ثمن دون أن يشعرهم [١] ، وجاء أن يغريهم ذلك بإحضار شقيقه بنيامين ، وهددهم بلطف إن لم يأتوا به (فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ) ، ولم يرد في الذكر الحكيم مما ورد في التوراة من إساءته لإخوته ، إذ أن ذلك لا يتفق والصورة التي رسمها القرآن الكريم وأبرز معالمها لشخصية يوسف ، وما اتسمت به من حلم وإخلاص وبر ، وهو الذي علمه ربه وأحسن هدايته ، وطهر قلبه من الحسد ، قال تعالى منوها بشأنه : (كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [٢].
ودارت مفاوضات بين يعقوب عليهالسلام وأبنائه انتهت بقبوله إرسال بنيامين معهم ، على أن يؤتره موثقا من الله أن يردوه عليه ، إلا أن يحاط بهم [٣] ، فلما آتوه موثقهم جعل النبي الكريم يوصيهم بما خطر له ، (وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ، وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [٤].
وتضرب الروايات والتفاسير في هذا وتبدي وتعيد بلا ضرورة ، ولو كان السياق القرآني يحب أن يكشف عن السبب لقال ، ولكنه قال فقط «إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها ، فينبغي أن يقف المفسرون عند ما أراده السياق احتفاظا بالجو الذي أراده ، والجو يوحي بأنه كان يخشى شيئا عليهم ، ويرى
[١] جاء في تفسير الظلال (٤ / ٢٠١٦) أن يوسف لم يعطهم قمحا ، إنما وضع لهم بضاعتهم في رحالهم ، فلما عادوا قالوا : يا أبانا منع منا الكيل ، وفتحوا رحالهم فوجدوا بضاعتهم ، وكان ذلك ليضطرهم إلى العودة بأخيهم ، وكان هذا بعض الدرس الذي عليهم أن يأخذوه.
[٢] أنظر : سورة يوسف : آية ٥٨ ـ ٦٣.
[٣] سورة يوسف : آية ٦٣ ـ ٦٦.
[٤] سورة يوسف : آية ٦٧ ـ ٦٨.