دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ١١١ - ١ ـ تمهيد
من قال لم يبدل شيء منها بالكلية بعيد أيضا ، والحق أنه دخلها تبديل وتغيير وتصرفوا في بعض ألفاظها بالزيادة والنقص ، كما تصرفوا في معانيها ، وهذا معلوم عند التأمل [١].
ومن ثم فليس صحيحا ما ذهبت إليه بعض المستشرقين من أن القرآن الكريم قد اعتمد إلى حد كبير في قصصه على التوراة والإنجيل [٢] ، وزاد بعض من تابعهم من الباحثين العرب أن القرآن الكريم جعل هذه الأخبار مطابقة لما في الكتب السابقة ، أو لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار ، حتى ليخيل إلينا (أي الباحثين العرب) أن مقياس صدقها وصحتها من الوجهة التاريخية ، ومن وجهة دلالتها على النبوة والرسالة ، أن تكون مطابقة لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار [٣].
وذهب الأستاذ مالك بن نبي أن هناك تشابها عجيبا بين القرآن والكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) وأن تاريخ الأنبياء يتوالى منذ إبراهيم إلى زكريا ويحيى ومريم والمسيح ، فأحيانا نجد القرآن يكرر نفس القصة ، وأحيانا يأتي بمادة تاريخية خاصة به ، مثل هود وصالح ولقمان وأهل الكهف وذي القرنين [٤] ، ومن عجب أن الدكتور البوطي ينقل عنه ، فيما يزعم ، أن القرآن جاء بقصص الأنبياء والأمم الغابرة ، على نحو يتفق جملة وتفصيلا مع ما أثبتته التوراة والإنجيل من عرض تلك الأخبار والقصص ، وأن ذلك دليلا لا
[١] ابن كثير : البداية والنهاية ٢ / ١٤٩.
[٢] جولد تسيهر : العقيدة والشريعة تب الإسلام ـ ترجمة محمد يوسف موسى ـ القاهرة ١٩٤٦ ص ١٢ ، ١٥ وكذا : ٦٢ ـ ٦١.p ، ١٩٦٤Alfred Guillaume ,Islam (Pelican Boots) ,
[٣] محمد أحمد خلف الله : الفن القصصي في القرآن الكريم ـ القاهرة ١٩٥٣ ص ٢٢ ، وأنظر ص ٢٧ ، ٢٨ ، ٤٥ ، ١٧٣ ، ١٧٥ ، ١٨٢.
[٤] مالك بن بني : الظاهرة القرآنية ـ ترجمة الدكتور عبد الصبور شاهين ـ بيروت ١٩٦١ ص ٢٥١.