دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٣٣٩ - ١ ـ محاولة الردة الأولى وعبادة الأصنام
وألوان حيث كان فيه الأسود ، ونوع آخر لا نراه اليوم يجمع بين البياض والسواد ، ويشبه ما هو معروف في أوربا اليوم ، ولعل فيما أبدى بنو إسرائيل من تلكؤ ومراوغة في ذبح البقرة ، وما كان من تنطعهم في التساؤل عنها وعن لونها من أثر ما كان قد وقر في نفوسهم من تقديس «حاتور» [١] ، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى : (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ، قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً ، قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ، قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ، قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ، قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ ، قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) [٢].
وهكذا يبدو واضحا مدى تأثير الديانة المصرية القديمة في بني إسرائيل ، تلك الديانة التي تمكنت من نفوسهم إبان إقامتهم الطويلة في مصر ، والتي جاوزت قرونا أربعة ، لدرجة أنهم ما كانوا بمستطيعين الإيمان بدعوة موسى ، إما خوفا من فرعون ، وإما خوفا من شيوخ بني إسرائيل ، كما أشرنا من قبل ، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى : (فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ) [٣] ،
[١] أحمد عبد الحميد يوسف : المرجع السابق ص ١٢٧ ـ ١٢٨.
[٢] سورة البقرة : آية ٦٧ ـ ٧١ ، وانظر عن القصة : تفسير الطبري ٢ / ١٨٢ ـ ٢٢٢ ، تفسير المنار ١ / ٢٨٦ ـ ٢٩٠ ، تفسير ابن كثير ١ / ١٥٤ ـ ١٦٠ ، البداية والنهاية ١ / ٢٩٣ ـ ٢٩٥ ، تفسير النسفي ١ / ٥٣ ـ ٥٥ ، تفسير القرطبي ص ٣٧٨ ـ ٣٨٧.
[٣] سورة يونس : آية ٨٣ ، وانظر ، تفسير المنار ١١ / ٣٨٣ ـ ٣٨٤ ، معاني القرآن للفراء ١ / ٤٧٦ ـ ٤٧٧ ، تفسير الطبري ١٥ / ١٦٣ ـ ١٦٧ ، تفسير ابن كثير ٤ / ٢٢٢ ـ ٢٢٣ ، تفسير القرطبي ص ٣٢٠٨ ـ ٣٢٠٩.