دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٧٠ - ١ ـ يوسف العزيز
أن جمهرة المؤرخين والمفسرين إنما تذهب إلى أنه كان أشبه بوزير التموين أو المالية أو ما يشبه ذلك ، مما يفهم منه أنه كان المسئول عن جمع الغلال وحفظها في الأهراء في سنوات الرخاء ، وحسن استخدامها في أعوام المجاعة [١].
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التاريخ المصري إنما يصدق الأحداث التي أتت بيوسف عليهالسلام إلى هذا المنصب ذلك أن مصر إنما كانت عرضة للمجاعات ، وفترات من تدهور الإنتاج الزراعي والحيواني على مرّ العصور ، ولقد كان ذلك في أغلب الأحايين من آثار اضطراب النيل وامتناع فيضه ، وإخلاله بالوفاء ، كما تعوّد وتعوّد منه الناس كل عام ، فإذا تدهور وأقام على نقائصه لم تكد مياهه لتصل إلى الأرض التي تتحرق شوقا إليه ، وتنتظر العام كله ، أو جله ، للقائه ، فعندئذ فلا ريّ ولا استنبات ، ثم لا زرع ولا ضرع ، فتكون الكارثة التي تنزل بالبلاد والعباد [٢].
والتاريخ يحدثنا أن الله تعالى ما جعل بلدا في العالم ، تتوقف حياته ووجوده ، مصيره ومستقبله ، في السلم أو في الحرب ، أو يرتبط سكانه وتاريخه بنهر ، مثلما تفعل مصر والنيل ، ومن ثم فإذا بالغ النيل في فيضه أحيانا ، فتعظم أمواهه وتضري أمواجه ، فإذا هو يندفع طوفانا عنيفا مدمرا مغرقا كل شيء ، ثم لا يكاد ينحسر عن الأرض إلا وقف انقضى من أوان البذر وقت قد يكون على الإنتاج أيام الحصاد سيّئ المسغبة ، وإن لم يبلغ
[١] أنظر : تاريخ الطبري ١ / ٣٤٧ ـ ٣٤٨ ، الكل لابن الأثير ١ / ٨٣ ـ ٨٨ ، ابن كثير : البداية والنهاية ١ / ٢١٠ ، صفوة التفاسير ٢ / ٥٧ ، تفسير أبي السعود ٤ / ٢٨٦ ، تفسير الخازن ٣ / ٢٩٢.
[٢] انظر : تفسير ابن كثير ٤ / ٣٢١ ، تفسير القرطبي ص ٣٤٤٦ ـ ٣٤٤٧ ، تفسير الطبري ١٦ / ١٤٨ ـ ١٥٢ ، تفسير النسفي ٢ / ٢٢٨ ، أحمد عبد الحميد يوسف : المرجع السابق ص ٥٥ ، تفسير الجلالين ص ٣١١ ـ ٣١٢ ، صفوة التفاسير ٢ / ٥٧.