دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٢٠٠ - ٢ ـ بني موسى وفرعون
وبدهي أن ذلك كله إنما يدل على أن سلطان السحر محدود ، فهو ، وإن كان له حقيقة ، فإن حقيقته لا تتجاوز الأيدي والأرجل من خلاف فرعون ، وقد جاءت هذه الرواية في معظم كتب التفسير ، على أن هناك خلافا في تنفيذ فرعون لوعيده ، فليس في القرآن الكريم نص على أن فرعون أنفذ وعيده ، ولكن الظاهر من سياق القصة أنه صلبهم وعذبهم ، قال ابن عباس وعبيد بن عمير : كانوا من أول النهار سحرة ، فصاروا من آخره شهداء بررة ، ويؤيد هذا قولهم : «ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين» [١] ، وأما النص الذي يصور وسائل التعذيب في زمان فرعون فقد ورد في معبد عمدا من بلاد النوبة المصرية ، ويرجع إلى السنة الرابعة من عهد «مرنبتاح» (حوالي عام ١٢٢٠ ق. م) ، ويؤكد أن مرنبتاح هذا ، والذي شاع في الناس أنه فرعون موسى ، إنما قطع من خلاف وصلب ، وقد نشر هذا النص الزميل الفاضل الدكتور أحمد عبد الحميد يوسف [٢]
وأيا ما كان الأمر ، فلقد كان هذا موقف الذين آمنوا من المصريين ، ملك الحق قلوبهم ، وملأ الإيمان مشاعرهم ، فاستخفوا بتهديد فرعون لهم أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، ويصلبهم في جذوع النخل (قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ، إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) [٣] ، وهنا تتجلى قوة الإيمان ، إذا سكن القلب واطمأنت به
ـ ٢٧ ـ ٢٨ ، في ظلال القرآن ٣ / ١٣٥٠ ، ابن كثير : مختصر التفسير ٢ / ٤٢ ، البداية والنهاية ١ / ٢٥٨ ، تاريخ الطبري ١ / ٤٠٩ ، الكامل لابن الأثير ١ / ١٠٣.
[١] تفسير الطبري ١٣ / ٣٤ ، تفسير البيضاوي ٣ / ٢٣ ، تفسير الفخر الرازي ٤ / ١٣٥ ، تفسير البحر المحيط ٤ / ٣٦٥ ، تفسير النسفي ٢ / ٧٠ ، الدر المنثور ٣ / ١٠٧ ، ابن كثير : مختصر التفسير ٢ / ٤٣ ، البداية والنهاية ١ / ٢٥٨.
[٢] أحمد عبد الحميد يوسف : المرجع السابق ص ١١٠ ، وكذا A. A. Joussef, Merenptah\'s
٢٧٣.p ، ١٩٦٤. fourth year Text at Amada, ASAE, L VIl, F
[٣] سورة الشعراء : آية ٥٠ ـ ٥١ ، عبد الرحيم فودة : المرجع السابق ص ١٧٩.