دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ١٦٠ - ب ـ الاضطهاد ـ أسبابه ونتائجه
الترتيب والتعقيب ، ومعنى ذلك أنه لم يمضي وقت بعد خروجهم من البحر ، ونجاتهم من الهلاك ، حتى عادوا إلى الوثنية التي ألفوها ، وألفوا الذل معها ، وهذا يدل على أن الإيمان لم يخالط بشاشة قلوبهم ، ولم يتمكن من ضمائرهم ومشاعرهم ، ولم يثمر فيهم الثمرة الطيبة لكل شجرة طيبة ، وإنما كان إيمانهم بموسى إيمانا بإمامته وزعامته ، لا إيمانا بالذي خلقه وسواه [١].
وهكذا لم يمضي وقت طويل حتى كانت الردة الثانية ، بعد فشل الأولى ، ممثلة في العجل الذي عبدوه ، والتي تحدثت عنها التوراة [٢] ، كما تحدث عنها القرآن [٣] ، وليس هناك من شك في أن هذا من تأثير الديانة المصرية على بني إسرائيل ، ذلك أن عبادة العجل في مصر إنما هي جد عميقة الجذور ، ترجع إلى أيام اسرة الأولى [٤] ، وهكذا بقيت الوثنية راسخة في قلوب بني إسرائيل ، حتى بعد انغلاق البحر لهم ، وحتى بعد أن جاوزوه على يبس ، وحتى بعد أن منّ الله عليهم بالمن والسلوى ، وحتى بعد أن استقوا موسى فضرب الحجر بعصاه فانبجست منه اثنتا عشرة عينا ، لكل سبط من أسباطهم مشربه ، وحتى بعد أن نزلت عليهم شريعته تحذرهم من اتخاذ آلهة غير الله ، حتى بعد هذا كله ، ومع وجود موسى نبيّهم بين ظهرانيهم ، فإنهم سرعان ما زاغوا عن الطريق المستقيم ، وكفروا بالله الواحد الأحد «وصنعوا لهم عجلا مسبوكا وسجدوا له وذبحوا وقالوا : «هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر [٥]» ، وهذا ما سوف يفعلونه في دويلة إسرائيل على
[١] عبد الرحيم قودة : من معارف القرآن ص ١٩٣ ـ ١٩٤.
[٢] خروج ٣٢ / ١ ـ ٢٨.
[٣] سورة البقرة : آية ٥١ ، ٥٤ ، ٩٢ ، ٩٣ ، سورة النساء : آية ١٥٣ ، سورة الأعراف : آية ١٤٨ ـ ١٥٢ ، سورة طه : آية ٨٣ ـ ٩٨.
[٤] ١٢٤.p ، ١٩٦٣. W.B.Emery ,Archaic Egypt ,
[٥] خروج ٣٢ / ٨.