مناقب علی بن ابیطالب علیه السلام - ابن مردويه الأصفهاني - الصفحة ١٣٥ - م الخطبة الشقشقيّة
مال اللّه خضم الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث فتله، و أجهز عليه عمله، و كبت به بطنته.
فما راعني إلّا و الناس كعرف الضبع إليّ، ينثالون عليّ من كل جانب، حتّى لقد وطئ الحسنان و شقّ عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم.
فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة، و مرقت اخرى، و قسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا اللّه تعالى يقول: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. [١]
بلى و اللّه، لقد سمعوها و دعوها، و لكنّهم حليت الدنيا في أعينهم، و راقهم زبرجها.
أما و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة، لو لا حضور الحاضر، و قيام الحجّة بوجود الناصر، و ما أخذ اللّه تعالى على العلماء ألّا يقارّوا على كظّة ظالم، و لا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها، و لسقيت آخرها بكأس أوّلها، و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز.
قالوا: و قام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته، فناوله كتابا، فأقبل ينظر فيه، فلمّا فرغ من قراءته، قال ابن عباس- رحمة اللّه عليه-: يا أمير المؤمنين لو اطّردت مقالتك من حيث أفضيت! فقال: هيهات! يا ابن عباس، تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت.
قال: ابن عباس: فو اللّه ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام ألّا يكون أمير المؤمنين بلغ منه حيث أراد. [٢]
[١] سورة القصص، الآية ٨٣.
[٢] منهاج البراعة، ج ١، ص ١٣٢، قال: عن الشيخ أبي نصر الحسن بن محمّد بن إبراهيم اليونارتي، عن الحاجب أبي الوفا محمّد بن بديع و أبي الحسين أحمد بن عبد الرحمن الذكواني، عن الحافظ أبي بكر بن مردويه الأصفهاني ...